الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
82
مختصر الامثل
ذكرها في هذه السورة حول المعاد ، والآيات - مورد البحث واللاحقة لها - تستعرض الأدلة الأخرى المتبقّية والتي كل منها مصداق لقدرة اللَّه اللا متناهية . فالدليل الأوّل يرتبط بخلق الحبوب الغذائية ، والثاني يرتبط بخلق الماء ، والثالث يتعلق بالنار ، وهذه المحاور تشكّل الأركان الأساسية في الحياة الإنسانية . يقول سبحانه في البداية : « أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ » . واللَّه سبحانه هو الذي يخلق في وسط هذه البذرة الحياة ، فعندما توضع البذرة في محيط مهيّأ من حيث التربة والضوء والماء ، فإنّها تستفيد ابتداءاً من المواد الغذائية المخزونة فيها إلى أن تصبح برعماً وتولّد جذراً ، ثم تنمو بسرعة عجيبة مستفيدة من المواد الغذائية الموجودة في الأرض . وفي الآية اللاحقة يؤكّد الدور الهامشي للإنسان في نمو ورشد النباتات فيقول : « لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ » . « حطام » : من مادة « حطم » تعني في الأصل كسر الشيء ، وغالباً ما تطلق على كسر الأشياء اليابسة كالعظام النخرة وسيقان النباتات الجافّة ، والمقصود هنا هو التبن . ويحتمل أيضاً أنّ المقصود بالحطام هنا هو فساد البذور في التربة وعدم نموّها . نعم ، تتعجبون وتغمركم الحيرة وتقولون : « إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ » « 1 » . وإذا كنتم أنتم الزارعين الحقيقيين ، فهل بإمكانكم أن تمنعوا وتدفعوا عن زرعكم الأضرار والمصير المدمّر والنتيجة البائسة ؟ وهذا التحدي يؤكّد لنا أنّ جميع أمور الخلق من اللَّه سبحانه . أَ فَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 ) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْ لَا تَشْكُرُونَ ( 70 ) أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ( 71 ) أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ( 72 ) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ ( 73 ) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ( 74 ) من الذي خلق الماء والنار : يشير سبحانه في هذه الآيات إلى سادس وسابع دليل للمعاد في هذا القسم من آيات سورة الواقعة ، التي تبيّن قدرة اللَّه تعالى على إحياء الموتى ، بل
--> ( 1 ) « مغرمون » : من مادة « غرامة » بمعنى الضرر وفقدان الوقت والمال .