الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

83

مختصر الامثل

في كل شيء : « أَفَرَءَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ » . « ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ » . « مزن » : يعني ( الغيوم البيضاء ) وفسّرها البعض بأنّها ( الغيوم الممطرة ) . إنّ هذه الآيات تجعل الوجدان الإنساني أمام استفسارات عدّة كي تأخذ إقراراً منه ، حيث يسأل اللَّه سبحانه : هل فكّرتم بالماء الذي تشربونه باستمرار والذي هو سرّ حياتكم ؟ وإذا لاحظنا في الآيات أعلاه عملية استعراض لماء الشرب - فقط - وعدم التحدث عن تأثيره في حياة الحيوانات أو النباتات فإنّ السبب هو الأهمية البالغة للماء في حياة الإنسان نفسه ، بالإضافة إلى أنّه قد أشير له في الآيات السابقة في حديث الزرع ، لذا لا حاجة لتكرار ذلك . وأخيراً - ولإكمال البحث في الآية اللاحقة - يقول سبحانه : « لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ » . « أجاج » : من مادة « أجّ » وقد أخذت في الأصل من « أجيج النار » يعني إشتعالها وإحتراقها ، ويقال « أجاج » للمياه التي تحرق الفمّ عند شربها لشدّة ملوحتها ومرارتها وحرارتها . وأخيراً نصل إلى سابع - وآخر - دليل للمعاد في هذه السلسلة من الآيات الكريمة ، وهو خلق النار التي هي أهمّ وسيلة لحياة الإنسان وأكثرها أهمية له في المجالات الصناعية المختلفة ، حيث يقول سبحانه : « أَفَرَءَيْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُورُونَ * ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشُونَ » . « تورون » : من مادة « ورى » بمعنى الستر ، ويقال للنار التي تكون مخفية في الوسائل التي لها القابلية على الإشتعال والتي تظهر بشرارة ، ويقال « ورى » و « ايراء » . جملة ( تورون ) - بمعنى إشعال النار - بالرغم من أنّها فسّرت هنا بما يستفاد منه توليد النار ، إلّاأنّه لا مانع من أن تشمل الأشياء المشتعلة أيضاً كالحطب باعتباره ناراً خفيّة تظهر وقت توفّر الشروط المناسبة لها . وفي الآية اللاحقة يضيف مؤكّداً الأبحاث أعلاه بقوله سبحانه : « نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لّلْمُقْوِينَ » . إنّ عودة النار من داخل الأشجار الخضراء تذكّرنا برجوع الأرواح إلى الأبدان في الحشر من جهة ، ومن جهة أخرى تذكّرنا هذه النار بنار جهنم .