الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
73
مختصر الامثل
سبحانه للقسم الثالث من عباده المقربين ، والتي كل واحدة منها أعظم من أختها وأكرم . . وقد لخّصت هذه النعم بسبعة أقسام : يقول تعالى في البداية : « عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ » . « سرر » : جمع « سرير » من مادة ( سرور ) بمعنى التخت الذي يجلس عليه المنعّمين في مجالس الانس والسرور . ونلاحظ استمرار الأوصاف الرائعة في القرآن الكريم لسرر الجنة ، ومجالس أهلها ، ومنتديات أحبّتها مما يدل على أنّ من أهم نعم وملذات هؤلاء هي جلسات الانس هذه . . ثم يتحدث سبحانه عن نعمة أخرى لهم حيث يقول : « يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ » . التعبير ب « يطوف » من مادة ( طواف ) إشارة إلى استمرار خدمة هؤلاء ( الطوافين ) لضيوفهم . والتعبير ب « مخلّدون » إشارة إلى خلود شبابهم ونشاطهم وجمالهم وطراوتهم ، والأصل أنّ جميع أهل الجنة مخلّدون وباقون . ويضيف القرآن أنّ هؤلاء الولدان يقدّمون لأصحاب الجنة أقداح الخمر وكؤوس الشراب المأخوذ من أنهار الجنة : « بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقٍ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ » « 1 » . وشرابهم هذا ليس من النوع الذي يأخذ لباب العقل والفكر ، حيث يقول تعالى : « لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ » « 2 » . إنّ الحالة التي تنتابهم من النشوة الروحية حين تناولهم لهذا الشراب لا يمكن أن توصف ، إذ تغمر كل وجودهم بلذة ليس لها مثيل . ثم يشير سبحانه إلى رابع وخامس قسم من النعم المادية التي وهبها اللَّه للمقربين في الجنة ، حيث يقول سبحانه : « وَفَاكِهَةٍ مّمَّا يَتَخَيَّرُونَ » . « وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ » .
--> ( 1 ) « أكواب » : جمع « كوب » بمعنى القدح أو الإناء الذي لا عروة له ؛ و « أباريق » : جمع « إبريق » وهي في الأصل اخذت من الفارسية ( أبريز ) بمعنى الأواني ذات اليد من جهة ، ومن الأخرى ذات أنبوب لصبّ السائل ؛ و « كأس » : تقال للإناء المملوء بالسائل لدرجة يفيض من جوانبه ؛ و « معين » من مادة « معن » بمعنى الجاري . ( 2 ) « يصدّعون » : من مادة « صداع » على وزن ( حباب ) ، بمعنى وجع الرأس ، وهذا المصطلح في الأصل من ( صدع ) بمعنى ( الإنفلاق ) لأنّ الإنسان عندما يصاب بوجع رأس شديد فكأنّ رأسه يريد أن ينفلق من شدّة الألم ، لذا فإنّ هذه الكلمة قد استعملت في هذا المعنى ؛ و « ينزفون » : من أصل « نزف » بمعنى سحب جميع مياه البئر بصورة تدريجيّة ، وتستعمل أيضاً حول ( السُكْرُ ) وفقدان العقل .