الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

54

مختصر الامثل

وبعد ذكر هذه النعم العظيمة ( المادية والمعنوية ) ينقلنا في آخر آية من البحث مخاطباً الجن والإنس بقوله تعالى : « فَبِأَىّ ءَالَاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ » . هذه النعم التي يدلّ كل هذا على لطف وحنان الخالق . . . فكيف يمكن التكذيب بها إذاً ؟ إنّ هذا الاستفهام استفهام تقريري جيء به في مقام أخذ الإقرار ، وقد قرأنا في بداية السورة رواية تؤكّد على ضرورة تعقيبنا بهذه العبارة ( لا شيء من آلائك ربّي اكذّب ) بعد كل مرّة نتلو فيها الآية الكريمة : « فَبِأَىّ ءَالَاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ » . إنّ التعبير ب ( أيّ ) إشارة إلى أنّ كل واحدة من هذه النعم دليل على مقام ربوبية اللَّه ولطفه وإحسانه ، فكيف بها إذا كانت هذه النعم مجتمعة . خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ( 15 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 16 ) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 18 ) الصلصال وخلق الإنسان : إنّ اللَّه تعالى بعد ذكره للنعم السابقة والتي من جملتها « خَلَقَ الْإِنسَانَ » ، يتعرّض في الآيات مورد البحث إلى شرح خاص حول خلق الإنس والجن كدليل على قدرته العظيمة من جهة ، وموضع درس وعبرة للجميع من جهة أخرى ، فيقول سبحانه : « خَلَقَ الْإِنسنَ مِن صَلْصلٍ كَالْفَخَّارِ » . « صلصال » : في الأصل معناه ( ذهاب ورجوع أو تردد الصوت في الأجسام الصلبة ) ، ثم أطلقت الكلمة على الطين اليابس الذي يخرج صوتاً . « فخار » : من مادة « فخر » بمعنى الشخص الذي يفخر كثيراً ، ولكون الأشخاص الذين يعيشون الفراغ في شخصياتهم ومعنوياتهم يكثرون الثرثرة والإدّعاء عن أنفسهم ، فإنّ هذه الكلمة تستعمل لكل إناء من الطين أو « الكوز » ، وذلك بسبب الأصوات الكثيرة التي يولّدها . ومن هنا يستفاد بوضوح من الآيات القرآنية المختلفة حول مبدأ خلق الإنسان ، أنّه كان من التراب ابتداءً . قال تعالى : « فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مّن تُرَابٍ » « 1 » . ثم خرج مع الماء وأصبح طيناً :

--> ( 1 ) سورة الحجّ / 5 .