الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
42
مختصر الامثل
المقصود من ( آل فرعون ) ليسوا أهل بيته ومتعلقيه فقط ، بل يشمل كل أتباعه بصورة عامة . « نذر » : على وزن ( كتب ) وهي جمع نذير ، وهنا إشارة إلى المعجزات التسع لموسى عليه السلام . والآية اللاحقة تكشف عن ردّ الفعل لآل فرعون من دعوة النبيين الإلهيين ، والإنذارات التي وجّهوها لهم حيث يقول اللَّه سبحانه : « كَذَّبُوا بَايَاتِنَا كُلّهَا » . ( آيات ) لها معنى واسع تشمل الدلائل العقلية والمعجزات والدلائل النقلية ، وعند ملاحظة قوله تعالى : « وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ ءَايَاتٍ بَيّنَاتٍ » يتبين لنا أنّ المقصود ب ( الآيات ) هنا هي المعجزات التسع لموسى عليه السلام . إنّ الإنسان إذا كان صادقاً في البحث عن الحقيقة فإنّه يكفيه أن يرى واحدة منها ، وخاصة تلك التي يسبقها إنذار ، ثم بلاء ، ثم زوال هذا البلاء عند دعاء النبي الإلهي ، ولكن العناد والإصرار على الباطل والغرور إذا ركب الإنسان ، فحتى لو أصبحت جميع السماء والأرض آيات للَّه ، فلن تكون ذات تأثير على أمثال هؤلاء ، والجواب الحاسم المناسب لهم هو العذاب الإلهي الذي يقضي على النزعات الشريرة والنفوس المريضة التي يملؤها الهوى والغرور . كما قال تعالى : « فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ » تكملة للآية مورد البحث . والتعبير الآخر الذي أتى في آخر هذه القصة لا يوجد له شبه في التعابير المماثلة في القصص الأخرى ، وذلك لأنّ الفراعنة كانوا يتباهون بقوّتهم وسطوتهم وعزّهم أكثر من بقية الأمم ، والحديث عن قوّة سلطانهم كان في كل مكان . يقول اللَّه تعالى : « فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ » . وذلك كي يكون واضحاً للجميع أنّ القوة الحقيقة هي للَّهوحده ، لأنّ كل قوة وعزة أخرى غير قوّته وما يتّصل بذاته وهميّة لا تساوي شيئاً في قبال عزّته وقدرته . . . والعجيب أنّ نهر النيل العظيم الذي كان مصدر خير وثروة لهم ، هو الذي امر بالانتقام منهم ، والأعجب من ذلك أنّ أضعف المخلوقات سلّطت عليهم كالجراد والضفادع والقمل فجعلتهم في حالة عجز ومسكنة لا يقدرون على دفعها ، وهم الذين كانوا من السطوة والقوّة موضع حديث أهل زمانهم . وبعد بيان هذه المشاهد المؤثّرة من قصص الأقوام المنصرمة والعذاب الإلهي العظيم الذي حلّ بهؤلاء الجبابرة المتمرّدين على الحق ، يخاطب اللَّه سبحانه في الآية اللاحقة مشركي مكة بقوله تعالى : « أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مّنْ أُولِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِى الزُّبُرِ » .