الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
43
مختصر الامثل
فما الفرق بينكم وبين قوم فرعون وقوم نوح ولوط وثمود ؟ فكما أنّ أولئك الأقوام قد عذّبوا بالطوفان تارةً والزلازل والصواعق أخرى . ومن الطبيعي أنّ مثل هذه الادّعاءات ادّعاءات كاذبة لا يقوم عليها أي دليل « أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ » . والجدير بالذكر هنا أنّ الآية السابقة كانت بصورة خطاب ، أمّا في الآية مورد البحث والآيات اللاحقة ، فإنّ الحديث عن الكفار بلغة الغائب ، وهو نوع من أنواع التحقير ، أي أنّهم غير مؤهّلين للخطاب الإلهي المباشر . ويواجه القرآن الكريم هؤلاء السادرين في غيّهم بإخبار غيبي حاسم وقوي ، حيث يقول : « سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ » . « سيهزم » : من مادة « هزم » في الأصل بمعنى الضغط على الجسم اليابس لحد التلاشي . وهذا إشارة إلى النقطة التالية وهي : رغم حالة الاتحاد والانسجام لهؤلاء القوم ظاهراً ، إلّا أنّهم كالموجودات اليابسة والفاقدة للروح ، فبمجرد تعرّضها إلى ضغط قوي تتهشّم . لقد صدق هذا التنبّؤ في معركة بدر وسائر الحروب الأخرى حيث كانت هزيمة الكفار ساحقة ، فإنّه رغم قدرتهم وقوّتهم فقد تلاشى جمعهم . وفي آخر الآية مورد البحث يشير سبحانه إلى أنّ الهزيمة التي مُني بها المشركون سوف لن تكون في الدنيا فقط ، وإنّما هي في الآخرة أشدّ وأدهى ، حيث يقول الباريء عزّ وجل : « بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ » . « أدهى » : من مادة ( دَهَوَ ) و ( دهاء ) ، بمعنى المصيبة والكارثة العظيمة والتي لا مخرج منها ولا نجاة ، ولا علاج لها ، وتأتي أيضاً بمعنى الذكاء الشديد ، إلّاأنّ المقصود منها في الآية الكريمة هو المعنى الأوّل . إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ( 47 ) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ( 48 ) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ( 49 ) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ( 50 ) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 51 ) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ( 52 ) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ ( 53 ) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ( 54 ) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ( 55 )