الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

22

مختصر الامثل

« أغنى » : فعل مشتق من غني ومعناه عدم الحاجة ؛ و « أقنى » : فعل مشتق من قنية على وزن جِزية ، ومعناها الأموال التي يدّخرها الإنسان . فيكون معنى الآية على هذا النحو : هو أغنى أي رفع الحاجات الفعلية ، وأقنى معناه إيلاء المواهب التي تدخّر سواء في الأمور المادية كالحائط أو البستان والأملاك وما شاكلها ، أو الأمور المعنوية كرضا اللَّه سبحانه الذي يُعدّ أكبر « رأس مال » دائم . أمّا آخر آية من الآيات محل البحث فتقول : « وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشّعْرَى » . تخصيص القرآن « الشعرى » النجم المعروف في السماء بالذكر ، بالإضافة إلى أنّه أكثر النجوم لمعاناً ويطلع عند السحر في مقربة من الجوزاء مما يلفت النظر تماماً . . . فإنّ طائفةً من المشركين العرب كانت تعبده ، فالقرآن يشير إلى أنّ الأولى بالعبادة هو اللَّه لأنّه ربّ الشعرى « وربّكم » . وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى ( 50 ) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ( 51 ) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى ( 52 ) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى ( 53 ) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ( 54 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى ( 55 ) ألا تكفي دروس العبرة هذه : هذه الآيات - كالآيات المتقدمة - تستكمل المسائل المذكورة في الصحف الأولى وما جاء في صحف إبراهيم وموسى . وكانت الآيات المتقدمة قد ذكرت عشر مسائل ضمن فصلين : الأوّل : كان ناظراً إلى مسؤولية كل إنسان عن أعماله . الثاني : ناظر إلى انتهاء جميع الخطوط والحوادث إلى اللَّه سبحانه . أمّا الآيات محل البحث فتتحدث عن مسألة واحدة - وإن شئت قلت - تتحدث عن موضوع واحد ذلك هو مجازاة أربع أمم من الأمم المنحرفة الظالمة وإهلاكهم ، وفي ذلك إنذار لُاولئك الذين يلوون رؤوسهم عن طاعة اللَّه ولا يؤمنون بالمبدأ والمعاد . فتبدأ الآية الأولى من الآيات محل البحث فتقول : « وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى » . وصف عاد ب « الأولى » إمّا لقدمها حتى أنّ العرب تطلق على كل قديم أنّه « عاديّ » أو لوجود امّتين في التاريخ باسم « عاد » والامّة المعروفة التي كانت نبيّها هود عليه السلام تُدعى ب « عاد الأولى » . ويضيف القرآن في الآية التالية قائلًا : « وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى » .