الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
23
مختصر الامثل
ويقول في شأن قوم نوح : « وَقَوْمَ نُوحٍ مّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى » . لأنّ نبيّهم نوحاً عاش معهم زماناً طويلًا ، وبذل قصارى جهده في إبلاغهم ونصحهم ، فلم يستجب لدعوته إلّاقليل منهم ، وأصرّوا على شركهم وكفرهم وعتوّهم وإستكبارهم وإيذائهم نبيّهم نوحاً وتكذيبهم إيّاه وعبادة الأوثان بشكل فظيع كما سنعرض تفصيل ذلك في تفسير سورة نوح إن شاء اللَّه . وأمّا رابعة الأمم فهي « قوم لوط » المشار إليهم بقوله تعالى : « وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى » . والظاهر أنّ زلزلة شديدة أصابت حيّهم وقريتهم فقذفت عماراتهم نحو السماء بعد إقتلاعها من الأرض وقلبتها على الأرض ، وطبقاً لبعض الروايات كان جبرئيل قد إقتلعها بإذن اللَّه وجعل عاليها سافلها ودمّرها تدميراً . . . « فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى » . لقد امطروا بحجارة من السماء ، فغشّت حيّهم وعماراتهم المنقلبة ودفنتها عن آخرها . وفي ختام هذا البحث يشير القرآن إلى مجموع النعم الوارد ذكرها في الآيات المتقدمة ويلمح إليها بصورة استفهام إنكاري قائلًا : « فَبِأَىّ ءَالَاءِ رَبّكَ تَتَمَارَى » . فهل تشكّ وتتردّد بنعم اللَّه ، كنعمة الحياة أو أصل نعمة الخلق والإيجاد ، أو نعمة أنّ اللَّه لا يأخذ أحداً بوزر أحد ؛ وما جاء في الصحف الأولى وأكّده القرآن ؟ ! صحيح أنّ المخاطب بالآية هو شخص النبي صلى الله عليه وآله إلّاأنّ مفهومها شامل لجميع المسلمين ، بل الهدف الأصلي من هذه الآية إفهام الآخرين . هذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى ( 56 ) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ ( 57 ) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ( 58 ) أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ( 59 ) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ ( 60 ) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ ( 61 ) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ( 62 ) تعقيباً على الآيات المتقدمة التي كانت تتحدث عن إهلاك الأمم السالفة لظلمهم ، تتوجّه هذه الآيات - محل البحث - إلى المشركين والكفار ومنكري دعوة النبي صلى الله عليه وآله فتخاطبهم بالقول : « هذَا نَذِيرٌ مّنَ النُّذُرِ الْأُولَى » . أي النبي أو القرآن نذير كمن سبقه من المنذرين . وقوله عن « القرآن أو النبي « هذا نذير من النذر الأولى » يعني أنّ رسالة محمّد وكتابه