الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
17
مختصر الامثل
فالمالكية المطلقة في عالم الوجود له وحده ، والحاكمية المطلقة على هذا العالم له أيضاً ، ولذلك فإنّ تدبير عالم الوجود بيده فحسب . ولما كان الأمر كذلك فهو وحده الجدير بالعبادة والشفاعة . إنّ هدفه الكبير من هذا الخلق الواسع ليستيقظ الإنسان في عالم الوجود وليسير في مسير التكامل في ضوء المناهج التكوينية والتشريعية وتعليم الأنبياء وتربيتهم ، لذلك فإنّ القرآن يذكر نتيجة هذه المالكية فيختتم الآية بالقول : « لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى » . ثم يصف القرآن المحسنين في الآية التالية فيقول : « الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ » . « الكبائر » : جمع كبيرة ؛ و « الإثم » في الأصل هو العمل الذي يُبعد الإنسان عن الخير والثواب ، لذلك يطلق على الذنب عادةً ؛ و « اللمم » : معناه الإقتراب من الذنب . في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « اللمم : الرجل يلمّ بالذنب فيستغفر اللَّه منه » . والقرائن الموجودة في هذه الآية تشهد على هذا المعنى أيضاً . . . إذ قد تصدر من الإنسان بعض الذنوب ، ثم يلتفت إليها فيتوب منها . أضف إلى ذلك فإنّ الجملة التالية بعد الآية في القرآن تقول : « إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ » . وهذا يدل على أنّ ذنباً صدر من الإنسان وهو بحاجة إلى غفران اللَّه . يعنى أنّ الذين أحسنوا من الممكن أن ينزلقوا في منزلق ما فيذنبوا ، إلّاأنّ الذنب على خلاف سجيّتهم وطبعهم وقلوبهم الطاهرة - وإنّما تقع الذنوب عَرضاً ، ولذلك فما أن يصدر منهم الذنب إلّا ندموا وتذكّروا وطلبوا المغفرة من اللَّه سبحانه . ويتحدث القرآن في ذيل الآية عن علم اللَّه المطلق مؤكّداً عدالته في مجازاة عباده حسب أعمالهم فيقول : « هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ » . وقوله « أنشأكم من الأرض » إمّا هو باعتبار الخلق الأوّل عن طريق آدم عليه السلام الذي خلقه من تراب ، أو باعتبار أنّ ما يتشكّل منه وجود الإنسان كله من الأرض ، حيث له الأثر الكبير في التغذية وتركيب النطفة ، ثم بعد ذلك له الأثر في مراحل نمو الإنسان أيضاً . وعلى كل حال ، فإنّ الهدف من هذه الآية أنّ اللَّه مطّلع على أحوالكم وعليم بكم منذ كنتم ذرّات في الأرض ومن يوم انعقدت نطفتكم في أرحام الامّهات في أسجاف من الظلمات فكيف - مع هذه الحال - لا يعلم أعمالكم .