الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

107

مختصر الامثل

بعد بيان سلسلة من الأصول العامة يشير ويذكّر بمصير الأقوام السابقة ، لكي يكون ذلك شاهداً وحجّة . وهنا أيضاً يتجسّد هذا المنهج ، حيث يشير في المقدمة إلى ارسال الرسل مع البينات والكتاب والميزان والدعوة إلى الإيمان بالحق ، لنيل مرضاته سبحانه والفوز بالسعادة الأبدية . . . ثم يتحدث عن بعض الأمم السابقة وأنبيائهم ويعكس هذه الأسس في منهج دعوتهم . ويبدأ بشيوخ الأنبياء وبداية سلسلة رسل الحق ، نوح وإبراهيم عليهما السلام ، حيث يقول سبحانه : « وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ » . ومما يؤسف له أنّ الكثيرين لم يستفيدوا من هذا الميراث العظيم ، والنعم الإلهية الفيّاضة ، والهبات والألطاف العميمة ، حيث يقول عزّ وجل : « فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ » . نعم ، لقد بدأت النبوّة بنوح عليه السلام توأماً مع الشريعة والمبدأ ، ومن ثم إبراهيم عليه السلام من الأنبياء اولي العزم في امتداد خطّ الرسالة . ثم يشير إلى قسم آخر من سلسلة الأنبياء الكرام التي تختتم بعيسى عليه السلام آخر رسول قبل نبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله حيث يقول سبحانه : « ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَارِهِم بِرُسُلِنَا » . حيث حملوا نور الهداية للناس ليضيئوا لهم الطريق ، وتعاقبوا في حملها الواحد بعد الآخر ، حتى وصل الدور إلى السيّد المسيح : « وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ » . ثم يشير هنا إلى الكتاب السماوي للسيّد المسيح عليه السلام حيث يقول : « وَءَاتَيْنهُ الْإِنجِيلَ » . ويستمرّ متحدّثاً عن خصوصيات أتباعه فيقول سبحانه : « وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً » . وفي تفاوت مصطلحي « الرأفة » و « الرحمة » قالوا : إنّ « الرأفة » تعني الرغبة في دفع الضرر ، و « الرحمة » تعني الرغبة في جلب المنفعة . ولهذا تذكر الرأفة قبل الرحمة غالباً ، لأنّ قصد الإنسان ابتداءً هو دفع الضرر ومن ثم يفكّر في جلب المنفعة . ثم يضيف سبحانه : « وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَاتَيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ » « 1 » .

--> ( 1 ) إنّ الرهبانية أخذت من « الرهبة » التي جاءت بمعنى الخوف من اللَّه .