الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

108

مختصر الامثل

إنّ المستفاد من الآية أعلاه إجمالًا هو أنّ الرهبانية لم تكن في شريعة السيّد المسيح عليه السلام ، وأنّ أصحابه ابتدعوها من بعده ، وكان ينظر إليها في البداية على أنّها نوع من أنواع الزهد والإبداعات الخيّرة لكثير من السنن الحسنة التي تشيع بين الناس . ولا تتّخذ عنوان التشريع أو الدستور الشرعي ، إلّاأنّ هذه السنّة تعرّضت إلى الانحراف - فيما بعد - وتحريف التعاليم الإلهية ، بل إقترنت بممارسات قبيحة على مرّ الزمن . ومن جملة الممارسات القبيحة للمسيحيين في مجال الرهبانية تحريم الزواج للنساء والرجال بالنسبة لمن يتفرّغ ( للرهبنة ) والانزواء الاجتماعي ، وإهمال كافّة المسؤوليات الإنسانية في المجتمع ، والركون إلى الصوامع والأديرة البعيدة ، والعيش في محيط منزوٍ عن المجتمع . . . بالإضافة إلى جملة من المفاسد التي حصلت في الأديرة ومراكز الرهبان . وفي أمالي الصدوق رحمه الله عن أنس بن مالك ، قال : توفي ابن لعثمان بن مظعون ، فاشتد حزنه عليه حتى اتخذ من داره مسجداً يتعبد فيه ، فبلغ ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقال له : « يا عثمان ، إنّ اللَّه تبارك وتعالى لم يكتب علينا الرهبانية ، إنّما رهبانية امّتي الجهاد في سبيل اللَّه » . إنّ الإسلام ندّد للرهبانية بشدّة ، حتى أنّ الكثير من المصادر الإسلامية أوردت الحديث المعروف : « لا رهبانية في الإسلام » . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 28 ) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 ) سبب النّزول في تفسير مجمع البيان : قال سعيد بن جبير : بعث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله جعفراً في سبعين راكباً إلى النجاشي ، يدعوه . فقدم عليه ودعاه ، فاستجاب له وآمن به . فلمّا كان عند انصرافه ، قال ناس ممّن آمن به من أهل مملكته ، وهم أربعون رجلًا : ائذن لنا فنأتي هذا النبي فنسلم به . فقدموا مع جعفر . فلمّا رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة ، استأذنوا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، وقالوا : يا