الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
61
مختصر الامثل
فإنّ الرّوايات الكثيرة جدّاً الواردة في كتب الفريقين تنفي شمول الآية لكل أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله ، وتقول : إنّ المخاطبين في الآية والمقصود بأهل بيت النبي هم خمسة أفراد فقط ، وهم : محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام . وبيّنت الآية الأخيرة - من الآيات مورد البحث - سابع وظيفة وآخرها من وظائف نساء النبي ، ونبّهتهن على ضرورة استغلال أفضل الفرص التي تتاح لهن في سبيل الإحاطة بحقائق الإسلام والعلم بها وبأبعادها ، فتقول : « وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءَايَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ » . وفيما هو الفرق بين « آيات اللَّه » و « الحكمة » ؟ قال بعض المفسرين : إنّ كليهما إشارة إلى القرآن ، غاية ما في الأمر أنّ التعبير ب ( الآيات ) يبيّن الجانب الإعجازي للقرآن ، والتعبير ب ( الحكمة ) يتحدث عن المحتوى العميق والعلم المخفي فيه . وأخيراً تقول الآية : « إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا » . وهي إشارة إلى أنّه سبحانه مطّلع على أدقّ الأعمال وأخفاها ، ويعلم نيّاتكم تماماً ، وهو خبير بأسراركم الدفينة في صدوركم . جاهلية القرن العشرين : مرّت الإشارة إلى أنّ جمعاً من المفسرين تورّطوا في تفسير ( الجاهلية الأولى ) وكأنّهم لم يقدروا أن يصدّقوا ظهور جاهلية أخرى في العالم بعد ظهور الإسلام ، وأنّ جاهلية العرب قبل الإسلام ضئيلة تجاه الجاهلية الجديدة ، إلّاأنّ هذا الأمر قد تجلّى للجميع اليوم ، حيث نرى مظاهر جاهليّة القرن العشرين المرعبة ، ويجب أن تعدّ تلك إحدى تنبؤات القرآن الإعجازية . إذا كان العرب في زمان الجاهلية يغيرون ويحاربون ، وإذا كان سوق عكاظ - مثلًا - ساحة لسفك الدماء لأسباب تافهة عدّة مرّات ، وقتل على أثرها أفراد معدودون ، فقد وقعت في جاهلية عصرنا حروب ذهب ضحيّتها عشرون مليون إنسان ، وجرح وتعوّق أكثر من هذا العدد . وإذا كانت النساء « تتبرّج » في زمن الجاهلية ويلقين خمرهنّ عن رؤوسهن بحيث كان يظهر جزء من صدورهن ونحورهن وقلائدهن وأقراطهن ، ففي عصرنا تشكّل نواد تسمّى بنوادي العراة - ونموذجها مشهور في بريطانيا . وإذا كانت في الجاهلية « زانيات من ذوات الأعلام » ، حيث كنّ يرفعن أعلاماً فوق بيوتهن ليدعين الناس إلى أنفسهن ، ففي جاهلية قرننا أناس يطرحون اموراً ومطالب في هذا