الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

44

مختصر الامثل

لهذا الابن ، بل يمكنكم أن تخاطبوهم كإخوانكم في الدين أو أصدقائكم ومواليكم . « الموالي » : جمع « مولى » ، وقد ذكر المفسرون له معاني عديدة ، فالبعض فسّره هنا بمعنى الصديق والصاحب ، والبعض الآخر بمعنى الغلام المعتق والمحرّر . ولكن ربّما يدعو الشخص إنساناً لغير أبيه لاعتياده ذلك سابقاً ، أو لسبق لسانه ، أو لاشتباهه في تشخيص نسب الأفراد ، وهذا خارج عن حدود اختيار الإنسان ، فإنّ اللَّه العادل الحكيم لا يعاقب مثل هذا الإنسان ، ولذا أردفت الآية : « وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا » . إنّه تعالى يغفر لكم ما سبق ، ويعفو عن السهو والنسيان والاشتباه . ثم تتطرق الآية التالية إلى مسألة مهمة أخرى ، أي إبطال نظام « المؤاخاة » بينهم . وتوضيح ذلك : أنّ المسلمين لمّا هاجروا من مكة إلى المدينة وقطع الإسلام كل روابطهم وعلاقاتهم بأقاربهم وأقوامهم المشركين الذين كانوا في مكة تماماً ، فقد أجرى النبي صلى الله عليه وآله بأمر اللَّه عقد المؤاخاة بينهم وعقد عهد المؤاخاة بين « المهاجرين » و « الأنصار » ، وكان يرث أحدهم الآخر كالأخوين الحقيقيين ، إلّاأنّ هذا الحكم كان مؤقّتاً وخاصّاً بحالة استثنائية جدّاً ، فنزلت الآية أعلاه وألغت نظام المؤاخاة الذي كان يحلّ محلّ النسب ، وجعل حكم الإرث وأمثاله مختّصاً باولي الأرحام الحقيقيين . غاية ما في الأمر أنّ الآية قبل أن تذكر هذا الحكم ذكرت حكمين آخرين - أي كون النبي صلى الله عليه وآله أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، وكون نساء النبي صلى الله عليه وآله كأمهاتهم - كمقدمة ، فقالت : « النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ » « 1 » . « وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ » « 2 » . ومع أنّ النبي صلى الله عليه وآله بمنزلة الأب ، وأزواجه بمنزلة أمهات المؤمنين إلّاأنّهم لا يرثون منهم

--> ( 1 ) إنّ النبي صلى الله عليه وآله أولى من كل إنسان مسلم في المسائل الاجتماعية والفردية ، وكذلك في المسائل المتعلقة بالحكومة والقضاء والدعوة ، وإنّ إرادته ورأيه مقدم على إرادة أي مسلم ورأيه ، وهذا لأنّ النبي صلى الله عليه وآله معصوم ووكيل للَّه‌سبحانه ، ولا يفكّر ويقرّر إلّافي صالح المجتمع والفرد . ( 2 ) وهي طبعاً أمومة معنوية وروحية ، كما أنّ النبي صلى الله عليه وآله أب روحي ومعنوي للُامة . إنّ تأثير هذا الارتباط المعنوي كان منحصراً في مسألة حفظ احترام أزواج النبي صلى الله عليه وآله وحرمة الزواج منهن ، كما جاء الحكم الصريح بتحريم الزواج منهن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله ، أي إنّ المسلمين كان من حقهم أن يتزوجوا بنات النبي ، في حين أنّ أيّ أحد لا يستطيع الزواج من ابنة أمه ، وكذلك مسألة كونهن أجنبيات ، وعدم جواز النظر إليهن إلّاللمحارم .