الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

43

مختصر الامثل

ثم يتطرق القرآن إلى خرافة أخرى من خرافات الجاهلية ، وهي خرافة « الظهار » ، حيث إنّ المشركين كانوا إذا غضبوا على نسائهم ، وأرادوا أن يبدوا تنفّرهم وعدم ارتياحهم ، قالوا للزوجة : « أنت عليّ كظهر امّي » . فيعتبرها بمثابة امّه ، وكان يعدّ هذا الكلام بمنزلة الطلاق . يقول القرآن الكريم في تتمة هذه الآية : « وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ الِى تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ » . فلم يمض الإسلام هذا القانون الجاهلي ، ولم يصادق عليه ، بل جعل عقوبة لمن يتعاطاه ، وهي : أنّ من نطق بهذا الكلام فلا يحق له أن يقرب زوجته حتى يدفع الكفارة ، وإذا لم يدفعها ولم يأت زوجته فإنّ لها الحق في أن تستعين بحاكم الشرع ليجبره على أحد أمرين : إمّا أن يطلّقها وفقاً لأحكام الإسلام ويفارقها ، أو أن يكفّر ويستمر في حياته الزوجية كالسابق . ثم تطرقت الآية إلى ثالث خرافة جاهلية ، فقالت : « وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ » . وتوضيح ذلك : أنّه كان من المتعارف في زمن الجاهلية أنّهم كانوا ينتخبون بعض الأطفال كأولاد لهم ، ويسمّونهم أولادهم ، وبعد هذه التسمية يعطونه كل الحقوق التي يستحقها الولد من الأب ، فيرث الولد من تبنّاه ، كما يرث المتبنّي الولد . وقد نفى الإسلام هذه العادات غير المنطقية والخرافية أشد النفي . ولذلك يقول القرآن الكريم بعد هذه الجملة : « ذلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ » . إنّكم تقولون : إنّ فلاناً ولدي ، وأنتم تعلمون علم اليقين أنّ الأمر ليس كذلك ، فإنّ الأمواج الصوتية فقط هي التي تخرج من أفواهكم ولا تنبع مطلقاً من اعتقاد قلبي ، وهذا كلام باطل ليس إلّا « وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِى السَّبِيلَ » . إنّ « قول الحق » يطلق على القول الذي ينطبق على الواقع الموضوعي تماماً ، أو أن يكون من الأمور الاعتبارية التي تنسجم مع مصالح كل أطراف القضية ، ونعلم أنّ مسألة « الظهار » في الجاهلية ، أو « التبنّي » الذي كان يسحق حقوق الأبناء الآخرين إلى حد كبير - لم يكونا من الموضوعات العينية ، ولا من الاعتباريات الحافظة لمصلحة عامة الناس . ثم يضيف القرآن مؤكّداً وموضّحاً الخط الصحيح والمنطقي للإسلام : « ادْعُوهُمْ لِأَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ » . وتقول الآية لرفع الأعذار والحجج : « فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا ءَابَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ » . أي إنّ عدم معرفة آبائهم لا يكون دليلًا على أن تضعوا اسم شخص آخر كأب