الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
138
مختصر الامثل
الحياة ، أعطاهم العقل والشعور والإدراك ، وعلّمه طريقة الاستفادة من تلك الإمكانات ، فكيف نسي الإنسان والحال هذه ولي نعمته الأصلي . هذه الجملة بيان ل « توحيد الربوبية » الذي هو دليل على « توحيد العبادة » . وهذه الجملة أيضاً تنبيه للبشر جميعاً ليعلموا بأنّ مكثهم ليس أبديّاً ولا خالداً ، فكما أنّهم خلائف لأقوام آخرين ، فما هي إلّامدّة حتى ينتهي دورهم ويكون غيرهم خلائف لهم . لذا تردف الآية قائلة : « فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا » . فغضبه بمعنى رفع الرحمة ومنع اللطف الإلهي من شمول أولئك الذين ارتكبوا السيئات . الآية التالية ترد على المشركين بجواب قاطع حازم ، وتذكّرهم بأنّ الإنسان إذا اتّبع أمراً أو تعلّق بأمر ، فيجب أن يكون هناك دليل عقلي على هذا الأمر ، أو دليل نقلي ثابت ، وأنتم أيّها الكفار حيث لا تملكون أيّاً من الدليلين فليس لديكم سوى المكر والغرور . تقول الآية الكريمة : « قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السَّموَاتِ » . فهل خلقوا شيئاً في الأرض ، أم شاركوا اللَّه في خلق السماوات ؟ ! ومع هذا الحال فما هو سبب عبادتكم لها ، لأنّ كون الشيء معبوداً فرع كونه خالقاً . والآن بعد أن ثبت أنّكم لا تملكون دليلًا عقلياً على ادّعائكم ، فهل لديكم دليل نقلي ؟ « أَمْ ءَاتَيْنهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيّنَتٍ مِّنْهُ » . كلّا ، فليس لديهم أيّ دليل أو بيّنة أو برهان واضح من الكتب الإلهية ، إذاً فليس لديهم سوى المكر والخديعة : « بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُم بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا » . وتنتقل الآية التي بعدها إلى الحديث عن حاكمية اللَّه سبحانه وتعالى على مجموعة السماوات والأرض ، وفي الحقيقة فإنّها تنتقل إلى إثبات توحيد الخالقية والربوبية بعد نفي اشتراك المعبودات الوهمية في عالم الوجود فتقول : « إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا » . فليس بدء الخلق - فقط - مرتبطاً باللَّه ، فإنّ حفظ وتدبير الخلق مرتبط بقدرته أيضاً ، بل إنّ المخلوقات في كل لحظة لها خلق جديد ، وفيض الوجود يغمر الخلق لحظة بعد أخرى من مبدأ الفيض . ولو قطعت الرابطة بين الخلق وبين ذلك المبدأ العظيم الفيّاض ، فليس إلّاالعدم والفناء .