الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
139
مختصر الامثل
وللتأكيد تضيف الآية قائلة : « وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ » . فلا الأصنام التي صنعتموها ولا الملائكة ، ولا غير ذلك ، لا أحد غير اللَّه قادر على ذلك . وفي ختام الآية - لكي يبقى طريق الأوبة والإنابة أمام المشركين الضالّين مفتوحاً - يقول تعالى محبّذاً لهم التوبة في كل مرحلة من الطريق : « إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا » . فبمقتضى ( حلمه ) لا يتعجّل عقابهم ، وبمقتضى ( غفرانه ) يتقبّل توبتهم - بشرائطها - في أي مرحلة من مراحل مسيرهم . وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً ( 42 ) اسْتِكْبَاراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ( 43 ) أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً ( 44 ) سبب النّزول في تفسير الدرّ المنثور : بلغ قريشاً قبل مبعث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أنّ أهل الكتاب كذّبوا رسلهم فقالوا : لعن اللَّه اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذّبوهم ، فواللَّه لئن أتانا رسول لنكوننّ أهدى من إحدى الأمم . فلّما أشرقت شمس الإسلام من أفق بلادهم ، وجاءهم النبي صلى الله عليه وآله بالكتاب السماوي ، رفضوا ، بل كذّبوا ، وحاربوا ، ومارسوا أنواع المكر والخديعة . فنزلت الآيات أعلاه تلومهم وتوبّخهم على إدّعاءاتهم الفارغة . التّفسير إستكبارهم ومكرهم سبب شقائهم : تواصل هذه الآيات الحديث عن المشركين ومصيرهم في الدنيا والآخرة . الآية الأولى تقول : « وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ » . فعندما طالعوا صفحات التاريخ ، تعجّبوا كثيراً وادّعوا لأنفسهم الإدّعاءات وتفاخروا على هؤلاء بأن يكون حالهم أفضل منهم .