الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

112

مختصر الامثل

الثورة الفكرية أساس لأيثورة أصيلة : في هذا المقطع من الآيات والآيات التالية ، والتي تشكّل أواخر سورة سبأ المباركة ، يُؤمر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله مرّة أخرى بدعوة هؤلاء بالأدلة المختلفة ليؤمنوا بالحق ، ويرجعوا عن ضلالهم . ففي الآية الأولى إشارة إلى اللبنة الأساسية في كل التحولات والتبدّلات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية والثقافية ، فتقول : « قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ » . الملفت للنظر أنّ القرآن الكريم يقول هنا « تتفكّروا » دون أن يذكر بماذا ؟ فحذف المتعلق دليل على العموم ، أي في كل شيء ، في الحياة المعنوية والمادية ، في الأمور الكبيرة والصغيرة ، وبكلمة : في كل أمر يجب التفكر أوّلًا ، وأهمّ من ذلك كله هو التفكر للعثور على الإجابة للأسئلة الأربعة التالية : من أين جئت ؟ لأيّ شيء أتيت ؟ إلى أين أذهب ؟ وأين أنا الآن ؟ تعبير « صاحبكم » إشارة إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وإنّه ليس نكرة بالنسبة لكم ، لقد عرفتموه بالأمانة والصدق والاستقامة . « جنّة » : بمعنى « جنون » وفي الأصل من مادة « جن » بمعنى ستر الشيء عن الحاسّة ، ومن كون أنّ ( المجنون ) سُتر عقله ، فقد اطلق عليه هذا التعبير ، والجدير بالملاحظة هنا هو أنّ العبارة تريد الكشف عن هذه الحقيقة ، وهي أنّ من يدعو إلى التفكر والانتباه كيف يكون هو مجنوناً . جملة « إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم » تلخص رسالة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله في مسألة « الإنذار » أي : التحذير من المسؤولية ، ومن المحكمة الإلهية ، والعقاب الإلهي . فالآية السابقة كانت دعوة للتفكر ونفي أي حالة من عدم التوازن الروحي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، وفي مطلع هذه الآيات ، يتحدث القرآن في عدم مطالبة الرسول صلى الله عليه وآله بأي أجر مقابل تبليغ الرسالة . تقول الآية الأولى : « قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ » . أنا دعوتكم للتفكر ، والآن تأمّلوا ، واسألوا وجدانكم ، أي سبب يدعوني لأن أنذركم من العذاب الإلهي الشديد ؟ ، وأي ربح سوف أجنيه من هذا العمل ، لأنّي أساساً لم أطالبكم بأي أجر أو جزاء . وأنّكم إن لاحظتم أنّي في بعض ما أخبرتكم به عن اللَّه سبحانه وتعالى ، قلت لكم : « لَّا