الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

100

مختصر الامثل

لا أحد مجبر على اتّباع الشيطان : هذه الآيات في الحقيقة تمثّل نوعاً من الإستنتاج العام من قصة « قوم سبأ » التي مرّت في الآيات السابقة . يقول تعالى في الآية الأولى من هذه الآيات : « وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ » . بتعبير آخر : فإنّ إبليس بعد امتناعه من السجود لآدم وطرده من محضر الكبرياء الإلهي ، توقّع وقال : « وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ » « 1 » . وتشير الآية التالية إلى مطلبين فيما يخصّ الوساوس الشيطانية ، والأشخاص الذين يقعون تحت سلطته ، والأشخاص الذين ليس له عليهم سلطان ، فتقول الآية المباركة : « وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ » . وذلك هو عين ما ينقله القرآن عن لسان الشيطان نفسه : « وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى » « 2 » . ولكن من الواضح أنّه بعد إجابة دعوته من قبل عديمي الإيمان ، وعبيد الهوى ، لا يهدأ له بال ، بل يسعى إلى إحكام سلطته على وجودهم . لذا فإنّ الآية تؤكّد أنّ الهدف من إطلاق يد إبليس في وسوساته ، إنّما هو لأجل معرفة المؤمنين من غيرهم ممّن هم في شك : « إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْأَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكّ » . والمقصود من الجملة أعلاه هو التحقق العيني لعلم اللَّه ، لأنّ اللَّه سبحانه وتعالى لا يعاقب أحداً بناءً على علمه بالبواطن ، والأعمال المستقبلية لذلك الشخص ، بل يجب توفّر ميدان للإمتحان ، ومن خلال وساوس الشياطين وهوى النفس يُظهر الإنسان ما بداخله - بكامل الإرادة والاختيار - إلى الواقع الفعلي ، ويتحقق علم اللَّه سبحانه وتعالى عيناً . ثم تختتم الآية بتنبيه للعباد : « وَرَبُّكَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ حَفِيظٌ » . حتى لا يتصوّر أتباع الشيطان بأنّ أعمالهم وأقوالهم تتلاشى في هذه الدنيا ، أو أنّ اللَّه ينسى .

--> ( 1 ) سورة الحجر / 39 و 40 . ( 2 ) سورة إبراهيم / 22 .