الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

91

مختصر الامثل

يريدونه : « أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا » . إنّ كلمة « الوسيلة » يشمل كل عمل جميل ولائق ، وتدخل في مفهومها كل صفة بارزة أخرى ، لأنّ كل هذه الأمور تكون سبباً في التقرب من اللَّه . وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً ( 58 ) وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفاً ( 59 ) وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَاناً كَبِيراً ( 60 ) بعد أن تحدثت الآيات السابقة مع المشركين في قضايا التوحيد والمعاد ، تبدأ أوّل آية من هذه الآيات بكلام على شكل نصيحة لتوعيتهم ، حيث تجسم هذه الآية النهاية الفانية لهذه الدنيا أمام عقولهم حتى يعرفوا أنّ هذه الدنيا دار زوال وأنّ البقاء الأبدي في مكان آخر ، لذلك ما عليهم إلّاتهيئة أنفسهم لمواجهة نتائج أعمالهم ، حيث تقول الآية : « وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيمَةِ أَوْ مُعَذّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا » . فالطغاة والظالمون نبيدهم بواسطة العذاب ، أمّا الآخرون فيهلكون بالموت أو الحوادث الطبيعية . وأخيراً ، فإنّ هذه الدنيا زائلة والكل يسلك طريق الفناء : « كَانَ ذلِكَ فِى الْكِتَابِ مَسْطُورًا » . و « الكتاب » هنا هو نفس اللوح المحفوظ وهو العلم اللامتناهي للخالق جلّ وعلا ، ومجموعة القوانين الإلهية التي لا يمكن التخلف عنها في عالم الوجود هذا . وهنا قد يقول المشركون : نحن لا مانع لدينا من الإيمان ولكن بشرط أن يقوم الرسول صلى الله عليه وآله بجميع المعجزات التي نقترحها عليه ، أي أن يستسلم لحججنا ، القرآن يجيب أمثال هؤلاء بقوله تعالى : « وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالْأَيَاتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ » . الآية تشير إلى أنّ اللَّه تبارك وتعالى أرسل معجزات كثيرة وكافية للدلالة على صدق الرسول صلى الله عليه وآله ، أمّا ما تقترحونه من معجزات فهي غير مقبولة ، لأنّكم بعد وقوعها ومشاهدتها سوف لا تؤمنون ، بدليل أنّ الأمم السابقة والتي كانت أوضاعها وحالاتها