الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
83
مختصر الامثل
الأقدام ، والنجائب ( المحامل والدواب ) تقاد بين يديه ، وكان عليه السلام يبيّن أنّ هذا العمل تواضع للَّه تعالى . أمّا الآية التي بعدها فهي تؤكّد على ما تمّ تحريمه في الآيات السابقة كالشرك وقتل النفس والزنا وقتل الأولاد والتصرف في مال اليتيم وإيذاء الوالدين وما شابه ذلك ، حيث تقول الآية : « كُلُّ ذلِكَ كَانَ سَيّئُهُ عِندَ رَبّكَ مَكْرُوهًا » . ومن هذا التعبير يتّضح أنّ اللَّه سبحانه وتعالى ليس فقط لا يجبر الإنسان على الذنب ، وإنّما لا يريد له ( بمعنى لا يرغب ولا يَود ) أن يرتكب الذنب أيضاً ، وإلّا لو كان الأمر كما يقول أصحاب مذهب الجبر ، لما أكد اللَّه سبحانه وتعالى على كراهية هذه الذنوب . ثالثاً : لا تكن مشركاً : من أجل التأكيد أكثر على أنّ كل هذه التعليمات إنّما تصدر من الوحي وتتسم بالحكمة ، تقول الآية : « ذلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ » . إنّ هذه التعاليم ثابتة عن طريق العقل كما هي ثابتة عن طريق الوحي الإلهي . وعادة ما تكون جميع الأحكام الإلهية على هذه الشاكلة ، بالرغم من أنّ الإنسان لا يستطيع في كثير من الأحيان أن يشخص انسجام جزئيات الأحكام الإلهية مع العقل بحكم عدم كماله ، ويبقى بعد ذلك الوحي هو المجال الوحيد لمصداقية دركها والإيمان بها . بعد ذلك ينتهي الحديث عن مجموع هذه الأحكام بنفس البداية التي انطلق منها ، حيث يقول تعالى : « وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ » . لماذا ؟ لأنّ المصير سيكون « فَتُلْقَى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا » . إنّ الشرك هو أساس جميع الانحرافات والجرائم والذنوب ، لذلك فإنّ هذه المجموعة من الأحكام بدأت بالشرك وانتهت به . آخر آية - من الآيات التي نبحثها - تشير إلى واحدة من الأفكار الخرافية للمشركين ، إذ الكثير منهم كان يعتقد بأنّ الملائكة هم بنات اللَّه ، في حين أنّهم كانوا يعتبرون البنت عاراً وشناراً ، وولادتها في بيت يؤدّي إلى سوء الحظ . القرآن يُساير هذا المنطق فيقول لهم : « أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلِكَةِ إِنثًا » . إنّ البنات - بدون شك - كالبنين ، هم عطايا الإله ومواهبه ، ولا يوجد أي تفاوت بينهم في القيمة الإنسانية . هدف القرآن هو مقابلنهم بمنطقهم فيقول لهم : كيف تنسبون لربّكم ما تحسبوه عاراً لكم ؟ بعد ذلك يقول القرآن بأسلوب قاطع : « إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا » . إذ هذا الكلام لا