الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

49

مختصر الامثل

وعلى أيّة حال ، فلأجل تقوية الروح الإيمانية والسير في طريق الهدى والبشرى لابدّ من برامج قصيرة الأمد ومؤقتة ، وبالتدريج يحلّ البرنامج النهائي الثابت محلها ، وهو سبب وجود الناسخ والمنسوخ في الآيات الإلهية . وبعد أن فنّد القرآن شبهات المشركين يتطرق لذكر شبهة أخرى ، أو على الأصح لذكر افتراء آخر لمخالفي نبي الرحمة صلى الله عليه وآله فيقول : « وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ » . فالقرآن أجابهم بقوة وأبطل كل ما كانوا يفترونه ، بقوله : « لّسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ » « 1 » . فالآية المباركة دليل الإعجاز القرآني من حيث اللفظ والمضمون ، فحلاوة القرآن وبلاغته وجاذبيته والتناسق الخاص في ألفاظه وعباراته ما يفوق قدرة أيّ إنسان . وبلهجة المهدّد المتوعّد يبيّن القرآن الكريم أنّ حقيقة هذه الاتهامات والانحرافات ناشئة من عدم انطباع الإيمان في نفوس هؤلاء ، فيقول : « إِنَّ الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ بَايَاتِ اللَّهِ لَايَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » . لأنّهم غير لائقين للهداية ولا يناسبهم إلّاالعذاب الإلهي ، لما باتوا عليه من التعصب والعناد والعداء للحق . وفي آخر آية يقول : إنّ الأشخاص الذين يتّهمون أولياء اللَّه هم الكفار : « إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ بَايَاتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ » . فأيّة أكاذيب أكبر من تلك التي تطلق على رجال الحق لتحول بينهم وبين المتعطشين للحقائق . قبح الكذب في المنظور الإسلامي : الآية الأخيرة بحثت مسألة قبح الكذب بشكل عنيف ، وقد جعلت الكاذبين بدرجة الكافرين والمنكرين للآيات الإلهية . ولأهمية هذا الموضوع فقد أعطت التعاليم الإسلامية إفاضات خاصه لمسألة الصدق والنهي عن الكذب . وقد اعتبرت الأحاديث الشريفة الكذب مفتاح الذنوب . فعن علي عليه السلام أنّه قال : « الصدق يهدي إلى البرّ والبرّ يدعو إلى الجنة » « 2 » .

--> ( 1 ) « يلحدون » : من الإلحاد بمعنى الانحراف عن الحق إلى الباطل ، وقد يطلق على أيّ انحراف ، والمراد هنا : إنّ الكاذبين يريدون نسبة القرآن إلى إنسان ويدعون بأنّه معلم النبي صلى الله عليه وآله . « الإعجام » و « العجمة » لغةً : بمعنى الإبهام ، ويطلق الأعجمي على الذي في بيانه لحن ( نقص ) سواء كان من العرب أو من غيرهم ، وباعتبار أنّ العرب ما كانوا يفهمون لغة غيرهم فقد استعملوا اسم ( العجم ) على غير العرب . ( 2 ) مشكاة الأنوار للطبرسي / 300 .