الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
30
مختصر الامثل
ولهذا يقول القرآن : « لَاجَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ » . أي : أنّهم ليسوا فاقدين لحسن العاقبة فقط ، بل و « لهم النار » « وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ » أي : من المتقدمين في دخول النار . والمفرط : من فرط ، على وزن ( فقط ) بمعنى التقدم . وربّما يراود البعض منّا الاستغراب عند سماعه لقصة عرب الجاهلية في وأدهم للبنات ، ويسأل : كيف يصدّق أن نسمع عن إنسان ما يدفن فلذة كبده بيده وهي على قيد الحياة ؟ ! وكأنّ الآية التالية تجيب على ذلك : « تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطنُ أَعْمَالَهُمْ » . ثم يضيف القرآن : إنّ مشركي اليوم على سنّة من سبقهم من الماضين من الذين زيّنوا أعمالهم بزخرف ما أوحى لهم الشيطان « فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ » ، يستفيدون مما يعطيهم إيّاه . ولهذا . . . « وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ » . وتبيّن آخر آية من الآيات مورد البحث هدف بعث الأنبياء ، ولتؤكّد حقيقة أنّ الأقوام والأمم لو اتبعت الأنبياء وتخلّت عن أهوائها ورغباتها الشخصية لما بقي أثر لأيخرافة وانحراف ، ولزالت تناقضات الأعمال ، فتقول : « وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيّنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ » . وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( 65 ) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ ( 66 ) وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 67 ) المياه ، الثمار ، الأنعام : مرّة أخرى ، يستعرض القرآن الكريم النعم والعطايا الإلهية الكثيرة ، تأكيداً لمسألة التوحيد ومعرفة اللَّه ، وإشارة إلى مسألة المعاد ، وتحريكاً لحس الشكر لدى العباد ليتقربوا إليه سبحانه أكثر ، ومن خلال هذا التوجيه الرباني تتّضح علاقة الربط بين هذه الآيات وما سبقها من آيات . فيقول : « وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَةً لّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ » . وهذا المظهر من مظاهر قدرة وعظمة الخالق عزّ وجل يدلل بما لا يقبل الشك على إمكان المعاد .