الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
31
مختصر الامثل
وإنّ نعمة الأمطار دليل آخر على قدرة وعظمة الخالق سبحانه . وبعد ذكر نعمة الماء ( الذي يعتبر الخطوة الأولى على طريق الحياة ) يشير القرآن الكريم إلى نعمة وجود الأنعام ، وبخصوص ما يؤخذ منها من اللبن كمادة غذائية كثيرة الفائدة ، فيقول : « وَإِنَّ لَكُمْ فِى الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً » . وأيّة عبرة أكثر من أن : « نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لّلشَّارِبِينَ » . « الفرث » : لغة بمعنى الأغذية المهضومة في المعدة والتي بمجرد وصولها إلى الأمعاء تزوّد البدن بمادتها الحياتية ، بينما يدفع الزائد منها إلى الخارج . . فما يهضم من غذاء داخل المعدة يسمّى « فرثاً » وما يدفع إلى الخارج يسمّى ( روثاً ) . ونعلم بأنّ جدار المعدة لا يمتص إلّامقداراً قليلًا من الغذاء ( كبعض المواد السكّرية ) والقسم الأكبر منه ينتقل إلى الأمعاء كي يمتص الدم ما يحتاجه منه . وكما نعلم أيضاً بأنّ اللبن يترشح من غدد خاصه داخل ثدي الإناث ، ومادته الأصلية تؤخذ من الدم والغدد الدهنية . فهذه المادة الناصعة البياض ذات القوة الغذائية العالية تنتج من الأغذية المهضومة المخلوطة بالفضلات ، ومن الدم . والعجب يكمن في استخلاص هذا النتاج الخالص الرائع من عين ملوّثة . وبعد حديثه عن الأنعام وألبانها يتناول القرآن ذكر النعم النباتية ، فيقول : « وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِى ذلِكَ لَأَيَةً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » . وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ( 68 ) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 69 ) « وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ » : انتقل الأسلوب القرآني بهاتين الآيتين من عرض النعم الإلهية المختلفة وبيان أسرار الخليقة إلى الحديث عن « النحل » وما يدّره من منتوج ( العسل ) ورمز إلى ذلك الالهام الخفي بالوحي الإلهي إلى النحل : « أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ » .