الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

25

مختصر الامثل

أو أنّ العذاب الإلهي لا يأتيهم على حين غفلة منهم بل بشكل تدريجي ومقروناً بالإنذار المتكرر : « أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ » . فاليوم مثلًا ، يصاب جارهم ببلاء ، وغداً يصاب أحد أقربائهم ، وفي يوم آخر تتلف بعض أموالهم . . . والخلاصة ، تأتيهم تنبيهات وتذكيرات الواحدة تلو الأخرى ، فإن استيقظوا فما أحسن ذلك ، وإلّا فسيصيبهم العقاب الإلهي ويهلكهم . إنّ العذاب التدريجي في هذه الحالات يكون لاحتمال أن تهتدي هذه المجموعة ، واللَّه عزّ وجل لا يريد أن يعامل هؤلاء كالباقين : « فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ » . أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ( 48 ) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ( 49 ) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ( 50 ) سجود الكائنات للَّه‌عزّ وجل : تعود هذه الآيات مرّة أخرى إلى التوحيد بادئةً ب « أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِللُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ » « 1 » . أي : ألم يشاهد المشركون كيف تتحرك ظلال مخلوقات اللَّه يميناً وشمالًا لتعبّر عن خضوعها وسجودها له سبحانه ؟ وهنا . . . يعرض الباري سبحانه حركة ظلال الأجسام يميناً وشمالًا بعنوانها مظهراً لعظمته جلّ وعلا واصفاً حركتها بالسجود والخضوع . وجاء في الآية أعلاه ذكر سجود الظلال بمفهومه الواسع ، أمّا في الآية التالية فقد جاء ذكر السجود بعنوانه برنامجاً عامّاً شاملًا لكل الموجودات المادية وغير المادية ، وفي أيّ مكان ، فتقول : « وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِى السَّموَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ » ، مسلمين للَّه‌ولأوامره تسليماً كاملًا . وحقيقة السجود نهاية الخضوع والتواضع والعبادة ، وما نؤدّيه من سجود على الأعضاء السبعة ما هو إلّامصداق لهذا المفهوم العام ولا ينحصر به . وبما أنّ جميع مخلوقات اللَّه في عالم التكوين والخلق مسلّمة للقوانين العامة لعالم الوجود ،

--> ( 1 ) « داخر » : في الأصل من مادة ( دخور ) أي : التواضع .