الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

102

مختصر الامثل

الآية بعد ذلك تقول : « إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا » . والرّوايات الواردة في تفسير هذه الآية تقول إنّ ملائكة الليل والنهار هي التي تشاهد ، لأنّه في بداية الصباح تأتي ملائكة النهار لتحل محل ملائكة الليل التي كانت تراقب العباد ، وحيث إنّ صلاة الصبح هي في أوّل وقت الطلوع ، لذلك فإنّ المجموعتين من الملائكة تشاهدها وتشهد عليها . وبعد أن تذكر الآية أوقات الصلوات الخمس تنتقل الآية التي بعدها إلى قوله تعالى : « وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ » . المفسرون الإسلاميون المعروفون يعتبرون هذا التعبير إشارة إلى نافلة الليل التي وردت روايات عديدة في فضيلتها . ثم تقول الآية : « نَافِلَةً لَّكَ » . أي : برنامج إضافي علاوة على الفرائض اليومية . وهذا التعبير اعتبره الكثير بأنّه دليل على وجوب صلاة الليل على الرسول صلى الله عليه وآله ، حيث إنّ هذه ( النافلة ) والتي هي بمعنى ( زيادة في الفريضة ) تخصّك أنت دون غيرك يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله . في ختام الآية تتوضّح نتيجة هذا البرنامج الإلهي الروحاني الرفيع حيث تقول : « عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا » . ولا ريب فإنّ المقام المحمود هو مقام مرتفع جدّاً يستثير الحمد ، وبما أنّ هذه الكلمة وردت بشكل مطلق ، لذا فقد تكون إشارة إلى أنّ حمد الأوّلين والآخرين يشملك . الروايات الإسلامية تشير إلى أنّ المقام المحمود هو مقام الشفاعة الكبرى . فالنبي صلى الله عليه وآله هو أكبر الشفعاء في ذلك العالم ، وشفاعته تشمل الذين يستحقونها . أمّا الآية التي بعدها فإنّها تشير إلى أحد التعاليم الإسلامية الأساسية والذي ينبع من روح التوحيد والإيمان : « وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ » « 1 » . فأيّ عمل فردي أو اجتماعي لا أبدؤه إلّابالصدق ولا انهيه إلّابالصدق ، فالصدق والإخلاص والأمانة هي الخط الأساس لبداية ونهاية مسيرتي . وفي الحقيقة فإنّ سرّ الانتصار يكمن هنا ، وهذا هو طريق الأنبياء والأولياء الربانيين حيث كانوا يتجنّبون كل غش وخداع وحيلة في أفكارهم وأقوالهم وأعمالهم وكل ما يتعارض مع الصدق . وعادة فإنّ المصائب التي نشاهدها اليوم والتي تصيب الأفراد والمجتمعات والأقوام

--> ( 1 ) « مدخل » و « مخرج » : هي تعني الإدخال والإخراج ، تؤدّي هنا المعنى المصدري .