الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
103
مختصر الامثل
والشعوب ، إنّما هي بسبب الانحرافات عن هذا الأساس ، ففي بعض الأحيان يكون أساس عملهم قائماً على الكذب والغش والحيلة ، وفي بعض الأحيان يدخلون إلى عمل معين بصدق ولكنهم لا يستمرون على صدقهم حتى النهاية . وهذا هو سبب الفشل والهزيمة . أمّا الأصل الثاني الذي يعتبر من ناحية ثمرة لشجرة التوحيد ، ومن ناحية أخرى نتيجة للدخول والخروج الصادق في الأعمال ، فهو ما ذكرته الآية في نهايتها : « وَاجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا » . وبعد أن ذكرت الآيات ( الصدق ) و ( التوكل ) جاء بعدها الأمل بالنصر النهائي ، والذي يعتبر بحد ذاته عاملًا للتوفيق في الأعمال ، إذ خاطبت الآية الرسول صلى الله عليه وآله بوعد اللَّه تعالى : « وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ » « 1 » ، لأنّ طبيعة الباطل الفناء والدمار : « إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا » . فللباطل جولة ، إلّاأنّه لا يدوم والعاقبة تكون لانتصار الحق وأصاحبه وأنصاره . وفي الآيات أعلاه تمّت الإشارة إلى ثلاثة عوامل للانتصار ، العوامل التي ابتعد عنها مسلمو اليوم ، ولهذا السبب نرى هزائمهم المتكررة في مقابل الأعداء والمستكبرين . والعوامل الثلاثة هي : الدخول الصادق والخالص في الأعمال ، والاستمرار على هذه الحالة الصادقة حتى النهاية « رَبّ أدْخِلْنِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ » . ثمّ الاعتماد على قدرة الخالق جلّ وعلا ، والاعتماد على النفس ، وترك أيّ اعتماد أو تبعية للأجانب « وَاجْعَل لِّى مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا » . وفي بعض الروايات تمّ تفسير قوله « جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ » بقيام دولة المهدي عليه السلام فالإمام الباقر عليه السلام يبيّن أنّ مفهوم الكلام الإلهي هو : « إذا قام القائم عليه السلام ذهبت دولة الباطل » . وفي تفسير نور الثقلين عن الخرايج والجرايح عن حكيمة خبر طويل وفيه لمّا ولد القائم عليه السلام كان نظيفاً مفروغاً منه وعلى ذراعه الأيمن مكتوب : « جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا » . إنّ مفهوم هذه الأحاديث لا يحصر المعنى الواسع للآية بهذا المصداق ، بل إنّ ثورة المهدي عليه السلام ونهضته هي من أوضح المصاديق حيث تكون نتيجتها الإنتصار النهائي للحق على الباطل في كل العالم .
--> ( 1 ) « زهق » : من مادة « زهوق » بمعنى الاضمحلال والهلاك والإبادة ، و « زهوق » : على وزن « قبول » صيغة مبالغةوهي تعني الشيء الذي تمّت إبادته بالكامل .