الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
101
مختصر الامثل
العباد - من البلد ، إذ يعتبر ذلك أوضح مداليل كفران النعمة ، ومثل هؤلاء القوم لا يستحقون الحياة ويستحقون العذاب الإلهي . إنّ هذا الأمر لا يخص مشركي العرب وحسب ، بل هو « سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا » . وهذه السنة تنبع من منطق واضح ، حيث إنّ هؤلاء القوم لا يشكرون النعم ، ويحطّمون مصباح هدايتهم ومنبع النور إليهم بأيديهم ، إنّ مثل هؤلاء الأقوام لا يستحقون رحمة الخالق ، وإنّ العقاب سيشملهم ، ونعلم هنا أنّ اللَّه تبارك وتعالى لا يفرّق بين عباده ، وبذلك فإنّ الأعمال المتشابهة في الظروف المتشابهة لها عقاب متشابه ، وهذا هو معنى عدم اختلاف سنن الخالق جلّ وعلا . أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ( 78 ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ( 79 ) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ( 80 ) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ( 81 ) بعد سلسلة الآيات التي تحدثت عن التوحيد والشرك وعن مكائد المشركين ومؤامراتهم ، تبحث هذه الآيات عن الصلاة والدعاء والارتباط باللَّه والتي تعتبر عوامل مؤثّرة في مجاهدة الشرك ، ووسيلة لطرد إغواءات الشيطان من قلب وروح الإنسان ، إذ تقول الآيات في البداية : « أَقِمِ الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا » . في الروايات التي وصلتنا عن أهل البيت عليهم السلام توضّح لنا أنّ معنى « دلوك » هو زوال الشمس ؛ وأمّا « غسق الليل » فإنّها تعني منتصف الليل ، حيث إنّ « غسق » تعني الظلمة الشديدة ، وأكثر ما يكون الليل ظلمةً في منتصفه . أمّا « قرآن » فهي تعني كلاماً يقرأ ، و « قرآن الفجر » هنا تعني صلاة الفجر . وبهذا الدليل تعتبر هذه الآية من الآيات التي تشير بشكل إجمالي إلى أوقات الصلوات الخمس ، ومع أخذ الآيات القرآنية الأخرى بنظر الاعتبار في مجال وقت الصلوات والروايات الكثيرة الواردة في هذا الشأن ، يمكن تحديد أوقات الصلوات الخمس بشكل دقيق .