الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

64

مختصر الامثل

لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا » « 1 » . وفي الردّ عليهم يشير القرآن إلى حقيقتين : يأمر النبي صلى الله عليه وآله أوّلًا أن يقول لهم : « قُلْ إِنَّمَا الْأَيَاتُ عِندَ اللَّهِ » . أي إنّ تحقيق المعجزة لا يكون وفق مشتهياتهم ، بل إنّها بيد اللَّه وبأمره . ثم يخاطب المسلمين البسطاء الذين تأثّروا بإيمان المشركين فيقول لهم : « وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَايُؤْمِنُونَ » . مؤكّداً بذلك أنّ هؤلاء المشركين كاذبون في قسمهم . كما أنّ مختلف المشاهد التي جرت بينهم وبين رسول اللَّه صلى الله عليه وآله تؤكد حقيقة أنّهم لم يكونوا يبحثون عن الحق ، بل كان هدفهم من كل ذلك أن يشغلوا الناس ويبذروا في نفوسهم الشك والتردد . الآية التالية تبين سبب عنادهم وتعصبهم ، فتقول : « وَنُقَلّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ » . أي إنّهم بإصرارهم على الانحراف والسير في طريق ملتو وتعصبهم الناشئ عن الجهل ورفض التسليم للحق ، أضاعوا قدرتهم على الرؤية الصحيحة والإدراك السليم ، فراحوا يعيشون في متاهات الضلال والحيرة . ثم تشير الآية في الخاتمة إلى أنّ اللَّه ، يترك أمثال هؤلاء في حالتهم تلك لكي يشتد ضلالهم وتزداد حيرتهم : « وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ » . نسأل اللَّه أن يجنبنا الابتلاء بمثل هذا الضلال والحيرة الناتجة عن أعمالنا السيئة ، وأن يمنحنا النظرة السليمة الكاملة لكي نرى الحقيقة ناصعة لا غبش عليها . وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ( 111 ) هذه الآية تتبع سابقاتها في تعقيب الحقيقة نفسها ، وهدف هذه الآيات هو بيان كذب أولئك الذين طلبوا تحقيق معجزات عجيبة وغريبة يستحيل تحقق بعضها كما مرّ . فيصرّح القرآن في الآية المذكورة قائلًا : « وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا » . ثم يؤكد ذلك أنّهم لا يمكن أن يؤمنوا إلّافي حالة واحدة وهي أن يجبرهم اللَّه بإرادته

--> ( 1 ) « الجهد » : بمعنى السعي وبذل الطاقة ، والمقصود هنا الجهد في توكيد القسم .