الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
65
مختصر الامثل
على الإيمان : « إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ » إلّاأنّ إيماناً كهذا لا ينفع في تربيتهم ولا يؤثّر في تكاملهم وفي النهاية يقول : « وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ » . وَكَذلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ( 112 ) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ( 113 ) تشير هذه الآية إلى أنّ أمثال هؤلاء المعاندين اللجوجين المتعصبين الذين أشارت إليهم الآيات السابقة ، لم يقتصر وجودهم على عهد نبي الخاتم صلى الله عليه وآله بل إنّ الأنبياء السابقين وقف في وجوههم أعداؤهم من شياطين الإنس والجن : « وَكَذلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنّ » . لا عمل لهم سوى الكلام المنمّق الخادع يستغفل به بعضهم بعضاً ، يلقونه في غموض أو يهمس به بعض لبعض : « يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا » . ولكن : لو أراد اللَّه لمنع هؤلاء بالإكراه عن ذلك ولحال دون وقوف هؤلاء الشياطين وأمثالهم بوجه الأنبياء : « وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ » . بيد أنّ اللَّه لم يشأ ذلك ، لأنّه أراد أن يكون الناس أحراراً ، وليكون هناك مجال لاختبارهم وتكاملهم وتربيتهم . لذلك يأمر اللَّه نبيّه في آخر السورة أن لا يلقى بالًا إلى أمثال هذه الأعمال الشيطانية : « فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ » . الآية التالية تشير إلى نتيجة كلام الشياطين المزخرف الخادع فتقول : أخيراً سيستمع الذين لا إيمان لهم - أي الذين لا يؤمنون بيوم القيامة - إلى تلك الأقوال وتميل قلوبهم إليها : « وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفِدَةُ الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ بِالْأَخِرَةِ » . ثم يقول : إنّ نهاية هذا الميل هو الرضا التام بالمناهج الشيطانية « وَلِيَرْضَوْهُ » . وختام كل ذلك كان ارتكاب أنواع الذنوب والأعمال القبيحة : « وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُّقْتَرِفُونَ » . أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 114 ) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 115 )