الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

24

مختصر الامثل

اللَّه ، إلّاأنّه في الحوادث الرهيبة والمخيفة ينسى كل شيء وإن ظلّ في أعماقه يحس بأمل في النجاة ينبع من الإيمان بوجود قوّة غامضة خفيّة ، وهذا هو التوجه إلى اللَّه وحقيقة التوحيد . حتى المشركون وعبدة الأصنام لا يخطر لهم التوسل بأصنامهم ، بل ينسونها في مثل هذه الظروف تماماً ، فتقول الآية : « بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونُ إِلَيْهِ إِن شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ » . وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ( 42 ) فَلَوْ لَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 43 ) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 44 ) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 45 ) مصير الذين لا يعتبرون : تواصل هذه الآيات توجيه الكلام للضّالين والمشركين ، ويتخذ القرآن فيها طريقاً آخر لإيقاظهم وذلك بأن ينقلهم إلى القرون السالفة والأزمان الماضية ، يشرح لهم حال الأمم الضّالة والظالمة والمشركة ، ويبيّن لهم كيف أتيح لها جميع عوامل التربية والتهذيب والوعي ، غير أنّ جمعاً منهم لم يلقوا بالًا إلى أيّ من تلك العوامل ، ولم يعتبروا بما حاق بهم من ( بأساء ) و ( ضراء ) « وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ » « 1 » . أما كان من الأجدر بهؤلاء أن يستيقظوا عندما جاءهم البأس وأحاطت بهم الشدائد ؟ ! « فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا » ولكنّهم لم يستيقظوا ، ولذلك سببان : الأوّل : إنّهم لكثرة آثامهم وعنادهم في الشرك زايلت الرحمة قلوبهم والليونة أرواحهم : « وَلكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ » . والثاني : إنّ الشيطان قد استغل عبادتهم أهواءهم فزيّن في نظرهم أعمالهم ، فكل قبيح ارتكبوه أظهره لهم جميلًا ، ولكل خطأ فعلوه جعله في عيونهم صواباً : « وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطنُ مَا

--> ( 1 ) « البأساء » : الشدّة والمكروه ، وتطلق على الحرب أيضاً ، وكذلك القحط والجفاف والفقر . أمّا « الضّرّاء » : فأكثر ما تعني العذاب الروحي كالهم والغم والاكتئاب والجهل أو الآلام الناشئة عن الأمراض أو عن فقدان مال أو مقام .