الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

25

مختصر الامثل

كَانُوا يَعْمَلُونَ » . ثم تذكر الآية التالية أنّه لمّا لم تنفع معهم تلك المصائب والمشاكل والضغوط عاملهم اللَّه تعالى بالعطف والرحمة ، ففتح عليهم أبواب أنواع النعم ، لعلهم يستيقظون ويلتفتون إلى خالقهم الذي وهب لهم كل تلك النعم ، ويشخّصوا الطريق السوي : « فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْءٍ » . إلّا أنّ هذه النعم كانت في الواقع ذات طابع مزدوج ، فهي مظهر من مظاهر المحبة التي تستهدف إيقاظ النائمين ، وهي كذلك مقدمة لنزول العذاب الأليم إذا استمرّت الغفلة ، ولهذا يقول إنّنا أعطيناهم الكثير من النعم : « حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ » « 1 » . وهكذا استؤصلت جذور أولئك الظلمة وانقطع نسلهم : « فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا » . ولمّا كان اللَّه قد وفّر لهؤلاء كل وسائل التربية ولم يبخل عليهم بأيّ شيء منها ، لذلك فإنّ الحمد يختص باللَّه الذي يربّي أهل الدنيا كافة : « وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ » . واختتام الآية بقول : « وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ » دليل على أنّ استئصال جذور الظلم والفساد والقضاء على شأفة الذين يمكن أن يواصلوا هذا الأمر من الأهمية بحيث يستوجب الحمد للَّه . في الكافي عن فضيل بن عياض عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « . . . من أحبّ بقاء الظالمين ، فقد أحبّ أن يعصى اللَّه ، إنّ اللَّه تعالى حمد نفسه على هلاك الظالمين فقال : « فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ » » . قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( 46 ) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ( 47 ) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 48 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ( 49 )

--> ( 1 ) « الإبلاس » : الحزن المعترض من شدّة التألم بسبب كثرة المنغّصات المؤلمة ، ومنها اشتقت كلمة « إبليس » وهي هنا تدل على شدّة الغم والهم اللذين يصيبان المذنبين يومئذٍ .