الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
105
مختصر الامثل
وكما قلنا في ذيل الآية ( 34 ) من سورة البقرة : إنّ سجود الملائكة لآدم لم يكن سجود عبادة ، لأن العبادة مخصوصة للَّهسبحانه ، بل السجدة هنا بمعنى التواضع . في الآية اللاحقة يقول تعالى : أنّه أخذ إبليس على عصيانه وطغيانه و « قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ » . فتذرّع - في مقام الجواب - بعذر غير وجيه إذ : « قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ » . وكأنّ إبليس كان يتصور أنّ النار أفضل من التراب ، وهذه هي أكبر غلطاته وأخطائه ، ولعله لم يقل ذلك عن خطأ والتباس ، بل كذب عن وعي وفهم ، لأنّنا نعلم أنّ التراب مصدر أنواع البركات ، ومنبع جميع المواد الحياتية ، وأهم وسيلة لمواصلة الموجودات الحية حياتها ، على حين أنّ الأمر بالنسبة إلى النار ليس على هذا الشكل . على أنّ ميزة الإنسان لم تكن في كونه من التراب ، بل إنّ ميزته الأصلية تكمن في « الروح الإنسانية » وفي خلافته للَّهتعالى . والظاهر أنّ الشيطان كان يعرف بكلّ هذه الأمور ، ولكن التكبر ، والأنانية هما اللذان منعاه عن امتثال أمر اللَّه ، وكان ما أتى به من العذر حجة داحضة ، ومحض تحجج وتعلل . بقي هنا سؤال وهو : كيف كان يتحدّث الشيطان مع اللَّه ، فهل كان ينزل عليه الوحي ؟ الجواب هو : أنّ كلام اللَّه لا يكون بالوحي دائماً ، فالوحي عبارة عن رسالة النبوة ، فلا مانع من أن يكلّم اللَّه أحداً لا بعنوان الوحي والرسالة ، بل عن طريق الباطني أو بواسطة بعض الملائكة ، سواء كان من يحادثه اللَّه من الصالحين الأبرار مثل مريم وأم موسى ، أو من غير الصالحين مثل الشيطان . ولنعد الآن إلى تفسير بقية الآيات : حيث إنّ امتناع الشيطان من السجود لآدم عليه السلام لم يكن امتناعاً بسيطاً وعادياً ولم يكن معصية عادّية ، بل كان تمرّداً مقروناً بالاعتراض والإنكار للمقام الربوبي ، لهذا فإنّ مخالفته كانت تعني الكفر وإنكار العلم والحكمة الإلهيين ، فوجب أن يخسر جميع مراتبه ودرجاته ، وبالتالي كل ما له من مكانة عند اللَّه ، ولهذا أخرجه اللَّه من ذلك المقام الكريم ، وجرّده من تلك المنزلة السامقة التي كان يتمتع بها في صفوف الملائكة ، فقال له : « فَاهْبِطْ مِنْهَا » . ثمّ إنّه تعالى شرح له منشأ هذا السقوط والتنزل بالعبارة التالية : « فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا » . وأضاف للتأكيد قائلًا : « فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ » . يعني إنّك بعملك وموقفك هذا لم