الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
106
مختصر الامثل
تصبح كبيراً ، بل على العكس من ذلك أصبتَ بالصغار والذلة . إنّ هذه الجملة توضّح بجلاء أنّ شقاء الشيطان كله كان وليد تكبّره . في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام قال : « أصول الكفر ثلاثة : الحرص والاستكبار والحسد ، فأمّا الحرص فإنّ آدم عليه السلام حين نهي عن الشجرة حمله الحرص على أن أكل منها ، وأمّا الاستكبار فإبليس حيث امر بالسجود لآدم فأبى ، وأمّا الحسد فإبنا آدم حيث قتل أحدهما صاحبه » . ولكن قصة الشيطان لم تنته إلى هذا الحد ، فهو عندما عرف بأنّه صار مطروداً من حضرة ذي الجلال زاد من طغيانه ولجاجته ، وبدل أن يتوب ويثوب إلى اللَّه ويعترف بخطئه فإنّ الشيء الوحيد الذي طلبه من اللَّه تعالى هو أن يمهله ويؤجّل موته إلى يوم القيامة : « قَالَ أَنظِرْنِى إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ » . ولقد استجاب اللَّه لهذا الطلب ، ف « قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ » . غير أنّ الشيطان لم يبغ من مطلبه هذا ( أي الإمهال الطويل ) الحصول على فرصة لجبران ما فات منه أو ليعمّر طويلًا ، إنّما كان هدفه من ذلك هو إغواء بني البشر « قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ » . أي لأغوينهم كما غويت ، ولُاضلنّهم كما ضللت . ثمّ إنّ الشيطان أضاف - تأكيداً لقوله - بأنّه لن يكتفي بالقعود بالمرصاد لهم ، بل سيأتيهم من كل حدب وصوب ، ويسدّ عليهم الطريق من كل جانب « ثُمَّ لَأَتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ » . ولقد نقل - في المجمع - عن الإمام الباقر عليه السلام تفسير أعمق لهذه الجهات الأربع حيث قال : « ثمّ لآتينّهم من بين أيديهم ، معناه : اهوّن عليهم أمر الآخرة ؛ ومن خلفهم ، آمرهم بجمع الأموال والبخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم ؛ وعن أيمانهم ، افسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة ؛ وعن شمائلهم ، بتحبيب اللذات إليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم » . وفي آخر آية من الآيات المبحوثة هنا يصدر مرّة أخرى الأمر بخروج الشيطان من حريم القرب الإلهي والمقام الرفيع ، بفارق واحد ، هو أنّ الأمر بطرده هنا اتّخذ صورة أكثر ازدراء وتحقيراً ، وأشد عنفاً ووقعاً ، ولعل هذا كان لأجل العناد واللجاج الذي أبداه الشيطان بالإلحاح على الوسوسة للإنسان وإغوائه وإغرائه ، يعني أنّ موقفه الأثيم في البداية كان منحصراً في التمرد على أمر اللَّه وعدم امتثاله ، ولهذا صدر الأمر بخروجه فقط ، ولكن عندما أضاف معصية أكبر إلى معصيته بالعزم على إضلال الآخرين جاء الأمر المشدد : « قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا » .