الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
92
مختصر الامثل
فسليمان عليه السلام لم يلجأ إلى السحر ، ولم يحقق أهدافه عن طريق الشعوذة : « وَلكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ » « 1 » . هؤلاء اليهود لم يستغلّوا ما تعلموه من سحر الشياطين فحسب ، بل أساؤوا الاستفادة أيضاً من تعليمات هاروت وماروت : « وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هرُوتَ وَمرُوتَ » . هاروت وماروت ملكان إلهيّان جاءا إلى الناس في وقت راج السحر بينهم وابتلوا بالسحرة والمشعوذين ، وكان هدفهما تعليم الناس سبل إبطال السحر ، وكما أنّ إحباط مفعول القنبلة يحتاج إلى فهم لطريقة فعل القنبلة ، كذلك كانت عملية إحباط السحر تتطلب تعليم الناس أصول السحر ، ولكنهما كانا يقرنان هذا التعليم بالتحذير من السقوط في الفتنة بعد تعلم السحر : « وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ » . وسقط أولئك اليهود في الفتنة ، وتوغلوا في انحرافهم ، فزعموا أنّ قدرة سليمان لم تكن من النبوّة ، بل من السحر والسحرة ، وهذا هو دأب المنحرفين دائماً ، يحاولون تبرير انحرافاتهم باتهام العظماء بالانحراف . هؤلاء القوم لم ينجحوا في هذا الاختبار الإلهي ، فأخذوا العلم من الملكين واستغلّوه على طريق الإفساد لا الإصلاح ، لكن قدرة اللَّه فوق قدرتهم وفوق قدرة ما تعلموه : « فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ » . لقد تهافتوا على اقتناء هذا المتاع الدنيوي وهم عالمون بأنّه يصادر آخرتهم « وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَيهُ مَا لَهُ فِى الْأَخِرَةِ مِنْ خَلقٍ » « 2 » . لقد باعوا شخصيتهم الإنسانية بهذا المتاع الرخيص « وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ » . لقد أضاعوا سعادتهم وسعادة مجتمعهم عن علم ووعي ، وغرقوا في مستنقع الكفر والانحراف « وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ » . بحثان 1 - قصّة هاروت وماروت : شاع السحر في أرض بابل وأدّى إلى إحراج الناس
--> ( 1 ) « السحر » : نوع من الأعمال الخارقة للعادة ، تؤثر في وجود الإنسان ، وهو أحياناً نوع من المهارة والخفة في الحركة وإيهام للأنظار كما إنّه أحيانا ذو طابع نفسي خيالي . ( 2 ) « الخلاق » : يعني الخُلُق ، وقد يعني الحظّ والنصيب وهذا هو معنى الكلمة في الآية .