الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
93
مختصر الامثل
وازعاجهم ، فبعث اللَّه ملكين بصورة البشر ، وأمرهما أن يعلما الناس طريقة إحباط مفعول السحر ، ليتخلصوا من شر السحرة . كان الملكان مضطرين لتعليم الناس أصول السحر ، باعتبارها مقدمة لتعليم طريقة إحباط السحر ، واستغلت مجموعة هذه الأصول ، فانخرطت في زمرة الساحرين ، وأصبحت مصدر أذى للناس . الملكان حذرا الناس - حين التعليم - من الوقوع في الفتنة ، ومن السقوط في حضيض الكفر بعد التعلم ، لكن هذا التحذير لم يؤثر في مجموعة منهم « 1 » . 2 - لا قدرة لأحد على عمل دون إذن اللَّه : نفهم من قول اللَّه في هذه الآيات أنّ السحرة ما كانوا قادرين على إنزال الضّر بأحد دون إذن اللَّه سبحانه ، وليس في الأمر « جبر » ولا إرغام ، بل إنّ هذا المعنى يشير إلى مبدأ أساس في التوحيد ، وهو أنّ كل القوى في هذا الكون تنطلق من قدرة اللَّه تعالى ، النار إذ تحرق إنّما تحرق بإذن اللَّه ، والسكين إذ تقطع إنما تقطع بأمر اللَّه ، لا يمكن للساحر أن يتدخل في عالم الخليقة خلافاً لإرادة اللَّه . كل ما نراه من آثار وخواص إنّما هي آثار وخواص جعلها اللَّه سبحانه للموجودات المخلتفة ، ومن هذه الموجودات من يحسن الاستفادة من هذه الهبة الإلهيّة ومنهم من يسيء الاستفادة منها . و « الاختيار » الذي منحه اللَّه للإنسان إنّما هو وسيلة لإختباره وتكامله . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 105 ) سبب النّزول في تفسير مجمع البيان : لمّا قدّم سبحانه نهي اليهود عن السحر ، عقبه بالنهي عن إطلاق هذه اللفظة فقال سبحانه : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَاتَقُولُوا رَاعِنَا » كان المسلمون يقولون : يا رسول اللَّه ! راعنا . أي استمع منّا . فحرّفت اليهود هذه اللفظة ، فقالوا : يا محمّد ! راعنا . وهم يلحدون إلى الرعونة يريدون به النقيصة والوقيعة فلما عوتبوا قالوا : نقول كما يقول
--> ( 1 ) تفسير مجمع البيان ، ذيل الآية مورد البحث ؛ وسائل الشيعة 12 / 106 .