الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
87
مختصر الامثل
قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيْمٌ بِالظَّالِمِينَ » . هؤلاء يعلمون ما في ملفّ أعمالهم من وثاق سوداء ومن صحائف إدانة ، واللَّه عليم بكل ذلك ، ولذلك فهم لا يتمنون الموت ، لأنّه بداية حياة يحاسبون فيها على كل أعمالهم . الآية الأخيرة تذكر انشداد هؤلاء بالأرض وحرصهم الشديد على المال والمتاع : « وَلَتَجِدَنَّهُمْ أحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوةٍ » . وتذكر الآية أنّ حرصهم هذا يفوق حرص الذين أشركوا : « وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا » . المشركون ينبغي أن يكونوا أحرص من غيرهم على جمع المال والمتاع ، لكن هؤلاء من أصحاب الإدعاءات الفارغة ، بلغوا من الحرص ما لم يبلغه المشركون . وبلغ شغفهم بالدنيا أنّه « يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ » لجمع مزيد من متاع الدنيا ، أو خوفاً من عقاب الآخرة ! لكن هذا العمر الذي يتمناه كل واحد منهم لا يبعده عن العذاب ، ولا يغير من مصيره شيئاً « وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ » . إذ كل شيء محصى لدى اللَّه ، ولا يعزب عن عمله شيء « وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ » . بحوث 1 - ما هو المراد من الأعوام الألف : المقصود من الأعوام الألف في قوله تعالى : « يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ » . ليس هذا العدد المعروف ، والعرب لم تكن تعرف أنذاك عدداً أكبر من الألف ، ولم يكن لما يزيد على الألف اسم عندالعرب ، ولذلك كان أبلغ تعبير عنالكثرة . 2 - علة ورود كلمة « الحياة » نكرة في الآية : تنكير الحياة في تعبير الآية « وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَوةٍ » تفيد الاستهانة والتحقير . أي إنّ هؤلاء حريصون حتّى على أتفه حياة وأرخصها وأشقاها ، ويفضلونها على الآخرة . 3 - إفرازات العنصرية : كان التعصب العنصري وراء كثير من الحروب والمآسي التي حدثت على الساحة البشرية خلال جميع عصور التاريخ ، واليهود يحتلون دون شك مكان الصدارة بين العنصريين المتعصبين على مر التاريخ . لقد دفعتهم عنصريتهم لأن يحتكروا حتى تعاليم موسى ، ويزيلوا عنصر الدعوة من دينهم ، كي لا يعتنق تعاليمهم أحد غيرهم . التعصب العنصري شعبة من الشرك ، ولذلك حاربه الإسلام بشدة ، مؤكداً أنّ كل أبناء البشر من أب واحد وأم واحدة ، ولا تمايز إلّابالتقوى والعمل الصالح .