الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

573

مختصر الامثل

2 - ثم يقول : « مَا يَكُونُ لِى أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ » . أي ما لا يحق لي قوله ولا يليق بي أن أقوله . فهو لا ينفي هذا القول عن نفسه فحسب ، بل ينفي أن يكون له حق في قول مثل هذا القول الذي لا ينسجم مع مقامه ومركزه . 3 - ثم يستند إلى علم اللَّه الذي لا تحدّه حدود ، تأكيداً لبراءته فيقول : « إِنْ كُنتَ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَا أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلمُ الْغُيُوبِ » « 1 » . 4 - « مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِى بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبّى وَرَبَّكُمْ » . لا أكثر من ذلك . 5 - « وَكُنتَ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلّ شَىْءٍ شَهِيدٌ » . أي كنت أحول دون سقوطهم في هاوية الشرك مدّة بقائي بينهم ، فكنت الرقيب والشاهد عليهم ، ولكن بعد أن رفعتني إليك ، كنت أنت الرقيب والشاهد عليهم . 6 - « إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . أي على كل حال فالأمر أمرك والإرادة إرادتك ، إن شئت أن تعاقبهم على انحرافهم الكبير فهم عبيدك وليس بامكانهم أن يفرّوا من عذابك ، فهذا حقك بإزاء العصاة من عبيدك وإن شئت أن تغفر لهم ذنوبهم فإنّك أنت القوي الحكيم فلا عفوك دليل ضعف ولا عقابك خال من الحكمة والحساب . قَالَ اللَّهُ هذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 119 ) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 120 ) الفوز العظيم : بعد الحوار الذي جرى بين اللَّه والمسيح عليه السلام يوم القيامة - كما شرحناه في تفسير الآيات السابقة - تقول الآية : « قَالَ اللَّهُ هذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ » . وهؤلاء الصادقون : « لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا » . وخير من هذه النعمة المادية أنّهم : « رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ » . ولا شك أنّ هذه النعمة الكبرى التي تجمع بين النعم المادية والنعم المعنوية شيء عظيم : « ذلِكَ الفَوْزُ الْعَظِيمُ » .

--> ( 1 ) إطلاق كلمة « نفس » على اللَّه لا يعني الروح ، فمن معاني النفس الذات .