الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

550

مختصر الامثل

جهة أخرى ، فيقول : « انظُرْ كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ الْأَيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ » « 1 » . ولكي يكمل الاستدلال السابق تستنكر الآية التالية عبادتهم المسيح مع أنّهم يعلمون أنّ له احتياجات بشرية ، وإنّه لا قدرة له على دفع الضرر عن نفسه أو نفعها ، فكيف يتسنى له دفع الضرر عن الغير أو نفعهم ؟ « قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَايَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا » . وفي النهاية يحذّرهم من أن يظنّوا أنّ اللَّه لا يسمع ما يتقوّلونه أو لا يعلم ما يكنونه : « وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . الآية التالية تأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله - بعد اتضاح خطأ أهل الكتاب في الغلو - أن يدعوهم بالأدلة الجلية إلى الرجوع عن السير في هذا الطريق : « قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَاتَغْلُوا فِى دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقّ » « 2 » . إنّ غلو النصارى معروف ، إلّاأنّ غلو اليهود ، الذي يشملهم تعبير « يَا أَهْلَ الْكِتَابِ » قد يكون إشارة إلى ما كانوا يقولونه عن عُزير وقد اعتبروه ابن اللَّه ، ولمّا كان الغلو ينشأ - أكثر ما ينشأ - عن إتّباع الضالين أهواءهم ، لذلك يقول اللَّه سبحانه « وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ » . وفي هذا إشارة أيضاً إلى ما انعكس في التأريخ المسيحي ، إذ أنّ موضوع التثليث والغلو في أمر المسيح عليه السلام لم يكن له وجود خلال القرون الأولى من المسيحية ، ولكن عندما اعتنق بعض الهنود وأمثالهم من عبدة الأصنام المسيحية أدخلوا فيها شيئاً من دينهم السابق كالتثليث والشرك . لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 ) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ( 79 ) تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ ( 80 )

--> ( 1 ) « الإفك » : كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه ، و « المأفوك » : المصروف عن الحقّ ، وإن كان عن تقصيره ، ومن هنا يسمّى إفكاً ، لأنّه يصد الإنسان عن الحقّ . ( 2 ) « تغلو » : من مادة « الغلو » وهي بمعنى تجاوز الحدّ ، إلّاأنّها تستعمل للإشارة إلى تجاوز الحدّ بالنسبة لمقام شخص من الأشخاص ومنزلته .