الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
500
مختصر الامثل
العهود الربانية : تناولت الآية السابقة مجموعة من الأحكام الإسلامية بالإضافة إلى موضوع إكمال النعمة الإلهية على المسلمين ، وجاءت الآية الأخيرة لتكمل السياق الموضوعي لما سبق من آيات ، فاستقطبت انتباه المسلمين إلى أهمية وعظمة النعم الإلهية التي أعظمها وأهمّها نعمة الإيمان والهداية والإسلام ، تقول الآية : « وَاذْكُرُوا نِعمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ » . فأيّ نعمة أعظم من أن ينال الإنسان - في ظل الإسلام - كل الهبات الإلهية والمفاخر والإمكانيات الدنيوية ، بعد أن كان الناس يعانون في الجاهلية من التشتت والجهل والضلال ويسود بينهم قانون الغاب ، وكان الفساد والظلم يعم مجتمعهم آنذاك ، وقد تحولوا بفضل الإسلام إلى مجتمع يسوده الاتحاد والتماسك والعلم ، ويرفل بالنعم والإمكانيات المادية والمعنوية الزّاخرة . بعد هذا تعيد الآية إلى الأذهان ذلك العهد الذي بين البشر وبين اللَّه ، فتقول : « وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا » . والمراد بلفظة « العهد » في هذه الآية إشارة إلى جميع العهود والمواثيق التكوينية والتشريعية التي أخذها اللَّه أو النبي صلى الله عليه وآله من المسلمين بمقتضى فطرتهم في مراحل مختلفة . وفي النهاية تؤكد الآية على ضرورة التزام التقوى ، محذّرة أنّ اللَّه محيط بأسرار البشر ، وعالم بما يختلج في صدورهم ، بقولها : « وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ » . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَنْ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( 8 ) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 9 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ( 10 ) دعوة مؤكّدة إلى العدالة : إنّ الآية الأولى من الآيات الثلاث أعلاه تدعو إلى تحقيق العدالة ، وهي شبيهة بتلك الدعوة الواردة في الآية ( 135 ) من سورة النساء ، التي مضى ذكرها مع اختلاف طفيف ، فتخاطب هذه الآية أوّلًا المؤمنين قائلة : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ » . ثم تشير إلى أحد أسباب الانحراف عن العدالة وتحذّر المسلمين من هذا الانحراف مؤكّدة