الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

501

مختصر الامثل

أنّ الأحقاد والعداوات القبلية والثارات الشخصية ، يجب أن لا تحول دون تحقيق العدل ، ويجب أن لا تكون سبباً للإعتداء على حقوق الآخرين ، لأنّ العدالة أرفع وأسمى من كل شيء ، فتقول الآية الكريمة : « وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا » . وتكرر الآية التأكيد لبيان ما للعدل من أهمية قصوى فتقول : « اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى » . وبما أنّ العدالة تعتبر أهم أركان التقوى تؤكد الآية مرّة ثالثة قائلة : « وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ » . بعد التأكيد الشديد الذي حملته الآية الكريمة حول قضية العدالة وضرورة تطبيقها بادرت الآية التالية وتمشياً مع الأسلوب القرآني ، فأعادت إلى الأذهان ما أعده اللَّه للمؤمنين العاملين بالخير من غفرانه ونعمه العظيمة ، حيث تقول الآية : « وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ » . كما ذكرت الآية في المقابل جزاء الكافرين الذين يكذبون بآيات اللَّه ، فقالت : « وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بَايَاتِنَا أُولئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ » . وممّا يلفت النظر أنّ الآية جعلت المغفرة والأجر العظيم في إطار « وعد اللَّه » بينما ذكرت عقاب جهنم بأنّه نتيجة للكفر وللتكذيب بآيات اللَّه ، وما هذا إلّاإشارة إلى فضل اللَّه ورحمته لعباده فيما يخص نعم وهبات الآخرة التي لا يمكن لأعمال الإنسان مهما كبرت وعظمت أن تباريها أو تعادلها مطلقاً ، كما أنّها إشارة - أيضاً - إلى أنّ عقاب الآخرة ليس فيه طابع انتقامي أبداً ، بل هو نتيجة عادلة لما إرتكبه الإنسان من أعمال سيئة في حياته . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 ) لقد ذكرت الآيات السابقة بعضاً من النعم الإلهية ، وجاءت الآية الأخيرة تخاطب المسلمين وتذكر لهم أنواعاً من النعم التي أنعم اللَّه بها عليهم ، لكي يؤدّوا شكرها عن طريق طاعة اللَّه والسعي لتحقيق مبادئ العدالة ، فتقول الآية : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ » . والآية تلفت انتباه المسلمين إلى الأخطار التي تعرضوا لها ، وكان يحتمل أن تدفع