الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

499

مختصر الامثل

إنّ كلمة « جُنُباً » - وكما أوضحنا لدى تفسير الآية ( 43 ) من سورة النساء - تعني في الأصل « المتباعد » أو « البعيد » وسبب إطلاق هذا اللفظ على الإنسان المجنب لأنّ هذا الإنسان يجب عليه أن يبتعد عن الصلاة والتوقف في المساجد وأمثالها . ويمكن أن يستدل من الآية التي تدعو المجنب إلى الاغتسال قبل الصلاة على أنّ غسل الجنابة يجزيء ، وينوب عن الوضوء أيضاً . ومن ثم بادرت الآية إلى بيان حكم التيمم حيث قالت : « وَإِن كُنتُم مَّرضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لمَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيّبًا » . لقد بيّنت الآية - بعد ذلك - أسلوب التيمم بصورة إجمالية فقالت : « فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ » . وقد أوضحت الآية - في آخرها - أنّ الأوامر الإلهية ليس فيها ما يحرج الإنسان أو يوجد العسر له ، بل إنّها أوامر شرعت لتحقق فوائد ومنافع معينة للناس ، فقالت الآية « مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلكِن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . وتؤكد هذه العبارات القرآنية الأخيرة أنّ جميع الأحكام والأوامر الشرعية الإلهية والضوابط الإسلامية هي لمصلحة الناس ولحماية منافعهم ، وليس فيها أيّ هدف آخر ، وإنّ اللَّه يريد بالأحكام الأخيرة الواردة في الآية - موضوع البحث - أن يحقق للإنسان طهارته الجسمانية والروحية معاً . إنّ جملة « مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ » تبيّن قانوناً عامّاً معناه أنّ أحكام اللَّه ليست تكاليف شاقّة أبداً ، ولو كان في أيّ حكم شرعي العسر والحرج لأيفرد لسقط التكليف عن هذا الفرد بناء على الاستثناء الوارد في الجملة القرآنية الأخيرة من الآية موضوع البحث ، ولهذا لو كان الصوم يشكل مشقة وعناء على أيّ فرد بسبب مرض أو شيخوخة أمّا ما شابه ذلك ، لسقط أداؤه عن هذا الفرد وارتفع التكليف عنه ، بناء على هذا الدليل نفسه . وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ( 7 )