الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
479
مختصر الامثل
قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ » . وتبيّن هذه الآية في آخرها قضية مهمّة جدّاً ، وهي أنّ اللَّه قد كلّم موسى بدل أن ينزل عليه الوحي ، فتقول : « وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا » . وعلى هذا الأساس فإنّ صلة الوحي ظلت باقية بين البشر ، ولم يكن من عدل اللَّه أن يترك البشر دون مرشد أو قائد ، أو أن يتركهم دون أن يعين لهم واجباتهم وتكاليفهم ، وهو الذي بعث الأنبياء والرسل للبشر مبشرين ومنذرين ، لكي يبشروا الناس برحمته وثوابه ، ويُنذرونهم من عذابه وعقابه لكي يتمّ الحجة عليهم فلا يبقى لهم عذر أو حجة . تقول الآية : « رُّسُلًا مُبَشّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ » . فقد أحكم اللَّه العزيز القدير خطّة إرسال الأنبياء ونفّذها بكل دقة ، وبهذا تؤكد الآية : « وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا » . فحكمته توجب تحقيق هذا العمل ، وقدرته تمهد السبيل إلى تنفيذه . أمّا الآية الأخرى فهي تطمئن النبي صلى الله عليه وآله وتوضح له أنّ المهم هو أنّ اللَّه قد شهد بما أنزل عليه من كتاب ، وليس المهم أن يؤمن نفر من هؤلاء بهذا الكتاب أو يكفروا به - فتؤكّد الآية في هذا المجال - : « لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ » . ولم يكن اختيار اللَّه لمحمّد صلى الله عليه وآله لمنصب النبوة أمراً عبثاً - والعياذ باللَّه - بل كان هذا الاختيار نابعاً من علم اللَّه بما كان يتمتع به النبي من لياقة وكفاءة لهذا المنصب العظيم ، ولنزول آيات اللَّه عليه - حيث تقول الآية : « أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ » . والقرآن الكريم يؤكد أن ليس اللَّه وحده الذي يشهد بأنّ دعوة محمّد صلى الله عليه وآله هي الحق ، بل يشهد معه ملائكته بأحقّية هذه الدعوة ، مع أنّ شهادة اللَّه كافية وحدها في هذا المجال . تقول الآية الكريمة : « وَالْمَلِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا » . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيداً ( 167 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ( 168 ) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 169 ) جرى البحث في الآيات السابقة حول المؤمنين وغير المؤمنين ، أمّا الآيات الثلاثة الأخيرة فهي تشير إلى مجموعة اختارت أقبح أنواع الكفر ، فهؤلاء - بالإضافة - إلى انحرافهم وضلالهم سعوا إلى تحريف وإضلال الأخرين ، وقد ظلموا أنفسهم بفعلهم هذا