الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
480
مختصر الامثل
وظلموا الآخرين معهم لأنّهم لم يسيروا في طريق الحق ولم يسمحوا للآخرين - أيضاً - باتّباع هذا السبيل ، والآية الكريمة تصف هؤلاء بأنّهم في ضلال بعيد وذلك بقولها : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَللًا بَعِيدًا » . أمّا الآية الأخرى فتشير إلى الذين كفروا وظلموا ، إذ ظلموا الحق أوّلًا لعدم التزامهم بالصواب ، كما ظلموا أنفسهم بذلك - أيضاً - إذ حرموها من السعادة وسقطوا في هوّة الضلالة ، وظلموا الآخرين حين منعوهم من التوجه إلى طريق الحق والصواب ، فهؤلاء لن يشملهم أبداً عفو اللَّه ، وإنّ اللَّه لا يهديهم أبداً إلّاإلى طريق جهنم ، تقول الآية : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ » . فهؤلاء باقون وخالدون في جهنم دائماً وأبداً ، كما تقول الآية : « خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا » . وعلى هؤلاء أن يعلموا أنّ وعد اللَّه حق ، وأنّ تهديده يتحقق لا محالة ، فليس ذلك على اللَّه بالأمر الصعب تقول الآية : « وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا » . يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 170 ) لقد أوضحت الآيات السابقة نهاية وعاقبة الناس الذين انعدم لديهم عنصر الإيمان ، أمّا الآية الأخيرة فهي تدعو إلى الإيمان وتبيّن نتيجة هذا الإيمان ، وتستخدم في ترغيب الناس إلى هذا الهدف السامي عبارات واصطلاحات تثير عند الأفراد الرغبة والإندفاع نحو الإيمان . وهذه الآية تشير في البداية إلى أنّ النبي المرسل هو ذلك الذي كان ينتظر الناس ظهوره ، والذي أشارت إليه الكتب السماوية السابقة ، وهو يحمل إليهم شريعة الحق والعدالة فتقول الآية في هذا المجال : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقّ » . ثم تردف الآية بأنّ هذا النبي قد جاء إلى الناس من اللَّه الذي تعهد تربية الخلق أجمعين ، وذلك من خلال العبارة القرآنية الواردة في هذه الآية ، وهي عبارة : « مِن رَّبّكُمْ » . وبعد ذلك تؤكد الآية - على أنّ إيمان الأفراد إنّما تعود فائدته ويعود نفعه عليهم أنفسهم ، أي أنّ الإنسان إذا آمن إنما يخدم نفسه بهذا الإيمان قبل أن يخدم به غيره . تقول الآية : « فَامِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ » . كما تؤكّد الآية في النهاية على أنّ من يتخذ الكفر سبيلًا لنفسه فلن يضرّ اللَّه بعمله هذا