الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

475

مختصر الامثل

نماذج أخرى من ممارسات اليهود العدوانية : تشير هذه الآيات إلى نماذج أخرى من انتهاكات بني إسرائيل وممارساتهم العدوانية التي واجهوا بها أنبياء اللَّه . فالآية الأولى تشير إلى قيام اليهود بنقض العهود ، وإلى ارتداد بعضهم وكفرهم بآيات اللَّه وقتلهم للأنبياء ، بحيث استوجبوا غضب اللَّه والحرمان من رحمته وحرمانهم من قسم من نعم اللَّه الطاهرة . فقد أنكر هؤلاء آيات اللَّه وكفروا بها بعد نقضهم للعهد واتّبعوا بذلك سبيل الضلال ولم يكتفوا بهذا الحدّ ، بل تمادوا في غيّهم ، فارتكبت أياديهم الآثمة جريمة كبرى ، إذ عمدوا إلى قتل الهداة والقادة إلى طريق الحق من أنبياء اللَّه ، إيغالًا منهم في إتّباع طريق الباطل والابتعاد عن طريق الحق . لقد كان هؤلاء اليهود بدرجة من العناد والصلف والوقاحة ، بحيث كانوا يواجهون كلام الأنبياء بالسخرية والاستهزاء ، ووصل بهم الأمر إلى أن يقولوا بكل صراحة أنّ قلوبهم تغطيها حجب عن سماع وقبول قول الأنبياء ! تقول الآية الأولى من الآيات الأربع الأخيرة : « فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَايَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ » . وهنا يؤكد القرآن الكريم أنّ قلوب هؤلاء مختومة حقاً ، بحيث لا ينفذ إليها أي حق ، وسبب ذلك هو كفرهم وانعدام الإيمان لديهم ، فهم لا يؤمنون لعنادهم وصلفهم إلّاالقليل منهم . وقد تجاوز هؤلاء المجرمون الحدّ ، فألصقوا بمريم العذراء الطاهرة تهمة شنيعة وبهتاناً عظيماً ، هي امّ لأحد أنبياء اللَّه الكبار ، وذلك لأنّها حملت به بإذن اللَّه دون أن يمسّها رجل . تقول الآية في هذا المجال : « وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا » . وقد تباهى هؤلاء الجناة وافتخروا بقتلهم الأنبياء ، وزعموا أنّهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم رسول اللَّه ، تقول الآية : « وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ » . وقد كذبوا بدعواهم هذه في قتل المسيح ، فهم لم يقتلوه ولم يصلبوه ، بل صلبوا شخصاً شبيهاً بعيسى المسيح عليه السلام وإلى هذه الواقعة تشير الآية بقولها : « وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلكِن شُبّهَ لَهُمْ » . وأكّدت الآية أنّ الذين اختلفوا في أمر المسيح عليه السلام كانوا - هم أنفسهم - في شك من أمرهم ، فلم يكن أحدهم يؤمن ويعتقد بما يقول ، بل كانوا يتبعون الأوهام والظن . تقول الآية : « وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِى شَكّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتّبَاعَ الظَّنّ » .