الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

476

مختصر الامثل

ويأتي القرآن ليؤكّد هنا بأنّ هؤلاء لم يقتلوا المسيح أبداً ، بل رفعه اللَّه إليه ، واللَّه هو القادر على كل شيء ، وهو الحكيم لدى فعل أيّ شيء ، تقول الآية : « وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَل رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا » . وحين تلاحظ أنّ القرآن يؤكد على قضية عدم صلب المسيح عليه السلام مع أنّ هذه القضية تظهر للعيان وكأنّها مسألة اعتيادية بسيطة ، من أجل دحض عقيدة الفداء الخرافية بشدة ، لمنع المسيحيين من الإيغال في هذا الاعتقاد الفاسد ، ولكي يؤمنوا بأنّ طريق الخلاص والنجاة إنّما هو في أعمالهم هم أنفسهم وليس في ظل الصليب . وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ( 159 ) هنالك احتمالان في تفسير هذه الآية وكل واحد منهما جدير بالملاحظة من جوانب متعددة : 1 - إنّ الآية تؤكد أنّ أي إنسان يمكن أن لا يعتبر من أهل الكتاب ما لم يؤمن قبل موته بالمسيح عليه السلام حيث تقول : « وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ » . وأنّ هذا الأمر يتمّ حين يشرف الإنسان على الموت وتضعف صلته بهذه الدنيا ، وتقوى هذه الصلة بعالم ما بعد الموت ، وفي هذه اللحظة يرى المسيح بعين بصيرته ويؤمن به ، فالذين أنكروا نبوته يؤمنون به ، والذين وصفوه بالألوهية يدركون في تلك اللحظة خطأهم وانحرافهم . وبديهي أنّ مثل هذا الإيمان لا ينفع صاحبه . 2 - قد يكون المقصود في الآية هو أنّ جميع أهل الكتاب يؤمنون بعيسى المسيح قبل موته ، فاليهود يؤمنون بنبوته والمسيحيون يتخلون عن الاعتقاد بربوبية المسيح عليه السلام ويحدث هذا - طبقاً للروايات الإسلامية - حين ينزل المسيح عليه السلام من السماء لدى ظهور المهدي المنتظر عجل اللَّه تعالى فرجه ، وواضح أنّ عيسى المسيح سيعلن في مثل هذا اليوم انضواءه تحت راية الإسلام لأنّ الشريعة السماوية التي جاء بها إنّما نزلت قبل الإسلام ولذلك فهي منسوخة به . وتقول الآية في الختام : « وَيَوْمَ الْقِيمَةِ يِكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا » . أي : شهادة المسيح عليه السلام على قومه بأنّه قد بلّغهم رسالة اللَّه ولم يدعهم لإتّخاذه إلهاً من دون اللَّه ، بل دعاهم إلى الإقرار بربوبية اللَّه الواحد القهار .