الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

469

مختصر الامثل

لقد وردت في هذه الآية خمس صفات للمنافقين ، وهي : 1 - إنّ هؤلاء - لأجل تحقيق أهدافهم الدنيئة - يتوسلون بالخدعة والحيلة ، حتى أنّهم يريدون على حسب ظنهم أن يخدعوا اللَّه تعالى أيضاً ، ولكنّهم يقعون في نفس الوقت ومن حيث لا يشعرون في حبال خدعتهم ومكرهم ، إذ هم - لأجل اكتساب ثروات مادية تافهة - يخسرون الثروات الكبيرة الكامنة في وجودهم ، تقول الآية في هذا المجال : « إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ » . 2 - إنّ المنافقين بعيدون عن رحمة اللَّه ، ولذلك فهم لا يتلذذون بعبادة اللَّه والتقرب إليه ، ويدل على ذلك أنّهم حين يريدون أداء الصّلاة يقومون إليها وهم كسالى خائرو القوى ، تقول الآية في هذا الأمر : « وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَوةِ قَامُوا كُسَالَى » . 3 - ولما كان المنافقون لا يؤمنون باللَّه وبوعوده ، فهم حين يقومون بأداء عبادة معينة ، إنّما يفعلون ذلك رياءاً ونفاقاً وليس من أجل مرضاة اللَّه ، تقول الآية : « يُرَاءُنَ النَّاسَ » . 4 - ولو نطقت ألسن هؤلاء المنافقين بشيء من ذكر اللَّه ، فإنّ هذا الذكر لا يتجاوز حدود الألسن ، لأنّه ليس من قلوبهم ، ولا هو نابع من وعيهم ويقظتهم ، وحتى لو حصل هذا الأمر فهو نادر وقليل . تقول الآية : « وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا » . 5 - إنّ المنافقين يعيشون في حيرة دائمة ودون أي هدف أو خطّة معيّنة لطريقة الحياة ولهذا فهم يعيشون حالة من التردد والتذبذب ، فلا هم مع المؤمنين حقّاً ولا هم يقفون إلى جانب الكفار ظاهراً ، وفي هذا تقول الآية الكريمة : « مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لَاإِلَى هؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هؤُلَاءِ » . وتبيّن الآية في الختام مصير هؤلاء المنافقين ، وتوضح أنّهم أناس قد سلب اللَّه عنهم حمايته نتيجة لأعمالهم وتركهم يتيهون في الطريق المنحرف الذي سلكوه بأنفسهم ، فهم لن يهتدوا أبداً إلى طريق النجاة ، لأنّ اللَّه كتب عليهم التيه والضلالة عقاباً لهم على أعمالهم . تقول الآية الكريمة في ذلك : « وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا » . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً ( 144 ) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ( 145 ) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ( 146 )