الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

470

مختصر الامثل

لقد أشارت الآيات السابقة إلى قسم من صفات المنافقين ، والآيات التالية - هذه - تحذر المؤمنين وتأمرهم أن لا يعتمدوا على المنافقين والكفار بدل الاعتماد على المؤمنين ، وأن لا يطلبوا النصرة منهم « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَاتَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ » . وتبيّن أنّ الاعتماد على الكفار يعتبر جريمة وخرقاً صارخاً للقانون الإلهي وشركاً باللَّه ، ونظراً لقانون العدل الإلهي فإنّ هذه الجريمة تستحق عقاباً شديداً ، حيث تؤكد الآية : « أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا » . وفي الآية الثانية من الآيات الأخيرة بيان لأحوال المنافقين ، الذين اتخذهم بعض الغافلين من المؤمنين أصدقاء لأنفسهم ، حيث توضح الآية أنّ المنافقين يستقرون في القيامة في أحط وأسفل دركة من دركات جهنم ، ولن يستطيع أحد أن ينصرهم أو ينقذهم من هذا المصير أبداً ، تقول الآية : « إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا » . ويتبيّن من هذه الآية أنّ النفاق في نظر الإسلام أشد أنواع الكفر ، وأنّ المنافقين أبعد الخلق من اللَّه . وقد أوضحت الآية الثالثة من الآيات الأخيرة ، أنّ المجال مفتوح حتى لأكثر الناس تلوثاً للتوبة من أعمالهم وإصلاح شأنهم ، والسعي للتعويض بالخير عن ماضيهم المشين ، والعودة إلى رحمة اللَّه والتمسك بحبله والإخلاص للَّه‌بالإيمان به تقول الآية : « إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ » . فالتائبون هؤلاء سيكونون أهلًا للنجاة في النهاية ويستحقون صحبة المؤمنين ، تقول الآية : « فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ » . وإنّ اللَّه سيهب ثواباً وأجراً عظيماً لكل المؤمنين « وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا » . مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ( 147 ) العقاب الإلهي ليس دافعه الانتقام : هذه الآية تشير إلى حقيقة ثابتة وهي أنّ العقاب الإلهي الموجه للبشر العاصين ليس بدافع الانتقام ولا هو بدافع التظاهر بالقوة ، كما أنّه ليس تعويضاً عن الخسائر الناجمة عن تلك المعاصي ، فهذه الأمور إنّما تحصل ممن في طبيعته النقص والحاجة ، واللَّه سبحانه وتعالى منزّه من كل نقص ولا يحتاج أبداً إلى شيء . إذن فالعقاب الذي يلحق الإنسان لما يرتكبه من معاص ، إنّما هو انعكاس للنتائج السيئة التي