الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

464

مختصر الامثل

الملاحظات والمجاملات أثناء أداء الشهادة ، وأن يكون هدف الشهادة بالحق هو كسب مرضاة اللَّه فقط ، حتى لو أصبحت النتيجة في ضرر الشاهد أو أبيه أو أمه أو أقاربه : « شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ » . وتشير الآية بعد ذلك إلى عوامل الانحراف عن مبدأ العدالة ، فتبيّن أنّ ثروة الأغنياء يجب أن لا تحول دون الإدلاء بالشهادة العادلة ، كما أنّ العواطف والمشاعر التي تتحرك لدى الإنسان من أجل الفقراء ، يجب أن تكون سبباً في الامتناع عن الادلاء بالشهادة العادلة حتّى ولو كانت نتيجتها لغير صالح الفقراء ، لأنّ اللَّه أعلم من غيره بحال هؤلاء الذين تكون نتيجة الشهادة العادلة ضدهم ، فلا يستطيع صاحب الجاه والسلطان أن يضرّ بشاهد عادل يتمتع بحماية اللَّه ، ولا الفقير سيبيت جوعاناً بسبب تحقيق العدالة ، تقول الآية في هذا المجال : « إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا » . وللتأكيد أكثر تحكم الآية بتجنّب إتّباع الهوى ، لكي لا يبقى مانع أمام سير العدالة وتحقيقها إذ تقول الآية : « فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا » « 1 » . ويتّضح من هذه الجملة أنّ مصدر الظلم والجور كلّه ، هو إتّباع الهوى ، فالمجتمع الذي لا تسوده الأهواء يكون بمأمن من الظلم والجور . ولأهمية موضوع تحقيق العدالة ، يؤكد القرآن هذا الحكم مرّة أخرى ، فيبين أنّ اللَّه ناظر وعالم بأعمال العباد - فهو يشهد ويرى كل من يحاول منع صاحب الحق عن حقه ، أو تحريف الحق ، أو الإعراض عن الحق بعد وضوحه ، فتقول الآية : « وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا » « 2 » . وتثبت الآية اهتمام الإسلام المفرط بقضية العدالة الاجتماعية ، وإنّ مواطن التأكيد المتكررة في هذه الآية تبيّن مدى هذا الاهتمام الذي يوليه الإسلام لمثل هذه القضية

--> ( 1 ) يمكن أن تكون عبارة « تعدلوا » اشتقاقاً إمّا من مادة « العدالة » أو من مادة « العدول » فإن كانت من مادة « العدالة » يكون معنى الجملة القرآنية هكذا : فلا تتبعوا الهوى لأن تعدلوا أي لكي تستطيعوا تحقيق العدل ، وأما إذا كانت من مادة « العدول » يكون المعنى هكذا : فلا تتّبعوا الهوى في أن تعدلوا أي لا تتّبعوا الهوى في سبيل الانحراف عن الحق . ( 2 ) « تلووا » : مشتقة من المصدر « لي » وتعني المنع والإعاقة وقد وردت في الأصل بمعنى اللّي والبرم .