الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

456

مختصر الامثل

تؤدّي إلى تغيير السعادة بالشقاء للناس ، وقد أكّدت الآية في آخرها مبدأ كلياً ، وهو أنّ أي إنسان يعبد الشيطان ويجعله لنفسه ولياً من دون اللَّه ، فقد ارتكب إثماً وذنباً واضحاً إذ تقول الآية : « وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا » . والآية التي تلت هذه الآية جاءت ببعض النقاط بمثابة الدليل على ما جاءت به الآية السابقة حيث ذكرت أنّ الشيطان يستمر في إعطائه الوعود الكاذبة لأولئك ويمنيهم الأمنيات الطوال العراض ، ولكنّه لا يفعل شيئاً بالنسبة لهؤلاء غير الإغواء والخداع : « يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطنُ إِلَّا غُرُورًا » « 1 » . وبيّنت آخر آية من الآيات الخمس الأخيرة مصير أتباع الشيطان ، بأنّهم ستكون نتيجتهم السكنى في جهنم التي لا يجدون منها مفراً أبداً ، فتقول الآية : « أُولئِكَ مَأْوَيهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا » « 2 » . وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ( 122 ) لقد بيّنت الآيات السابقة أنّ الذين يتخذون الشيطان وليّاً لهم ، إنّما ينالهم ضرر واضح ومبين ، وأنّ الشيطان يعدهم زيفاً وخداعاً ويلهيهم بالامنيات الواهية الخيالية الطويلة العريضة ، وإن وعد الشيطان مكر وخداع لا غير . أمّا في هذه الآية الأخيرة - التي هي موضوع بحثنا الآن - فقد بيّنت مقابل أولئك في النهاية أعمال المؤمنين والثواب الذي سينالونه يوم القيامة ، من جنّات وبساتين وأنهار تجري فيها ، حيث تقول الآية : « وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ » . وإنّ هذه النعمة العظيمة دائمة أبداً ، وليست كنعم الدنيا الزائلة ، فالمؤمنون في الجنة يتمتعون بما أوتوه من خير دائماً أبداً ، تؤكد هذه بعبارة « خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا » .

--> ( 1 ) « الغرور » : يعني في الأصل الأثر الواضح للشيء ، ولكنّه يطلق في الغالب على الآثار التي لها ظاهر خادع وباطن كريه ، ويطلق على كل شيء يخدع الإنسان مثل المال والجاه والسلطان التي تبعد الإنسان عن الحق وعن جادة الصواب على أنّه مادة للغرور . ( 2 ) « المحيص » : من « المحص » ويعني العدول والانصراف عن الشيء ، وعلى هذا الأساس فإنّ المحيص هو وسيلة الانصراف والفرار .