الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
441
مختصر الامثل
تناولت الآيات السابقة الحديث عن الجهاد ، والآيتان الأخيرتان تبيّنان التمايز بين المجاهدين وغيرهم من القاعدين ، فتؤكد عدم التساوي بين من يبذل المال والنفس رخيصين في سبيل الهدف الإلهي السامي ، وبين من يقعده عن هذا البذل سبب آخر غير المرض الذي يحول دونه ودون المشاركة في الجهاد ، « لَّايَسْتَوِى الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ » . وتكرر الآية من جديد مسألة التفاضل بشكل أوضح وأكثر صراحة ، وتؤكّد في نهاية المقارنة ، أنّ اللَّه وهب المجاهدين أجراً عظيماً : « فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً » . ولكن - كما أسلفنا - لما كان في الجانب المقابل لهؤلاء المجاهدين يقف أولئك الذين لم يكن الجهاد بالنسبة لهم واجباً عينياً أو لم يشاركوا في الجهاد بسبب مرض أو عجز أو علة أخرى أعجزتهم عن هذه المشاركة ، فذلك ولأجل أن لا يغفل ما لهؤلاء من نيّة صالحة وإيمان وأعمال صالحة أخرى فقد وعدوا خيراً حيث تقول الآية الكريمة : « وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى » . وبما أنّ أهمية الجهاد في الإسلام بالغة جداً ، لذلك تتطرق الآية مرّة أخرى للمجاهدين وتؤكّد بأنّ لهم أجراً عظيماً يفوق كثيراً أجر القاعدين عن الجهاد عن عجز ، « وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا » . وتشرح الآية التالية - وهي الآية ( 96 ) من سورة النساء - نوع هذا الأجر العظيم فقول أنّه : « دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً » . فلو أنّ أفراداً من بين المجاهدين تورطوا في زلة أثناء أدائهم لواجبهم فندموا على تلك الزّلة ، فقد وعدهم اللَّه بالمغفرة والعفو ، حيث يقول في نهاية الآية : « وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا » . إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً ( 97 ) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ( 98 ) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً ( 99 )